الثالثة - قال ابن عربي قَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ: الِاسْتِعْمَارُ طَلَبُ الْعِمَارَةِ، وَالطَّلَبُ الْمُطْلَقُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْوُجُوبِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: تَأْتِي كَلِمَةُ اسْتَفْعَلَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى مَعَانٍ: مِنْهَا، اسْتَفْعَلَ بِمَعْنَى طَلَبِ الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ: اسْتَحْمَلْتُهُ أَيْ طَلَبْتُ مِنْهُ حُمْلَانًا، وَبِمَعْنَى اعْتَقَدَ، كَقَوْلِهِمُ: اسْتَسْهَلْتُ هَذَا الْأَمْرَ اعْتَقَدْتُهُ سَهْلًا، أَوْ وَجَدْتُهُ سَهْلًا، وَاسْتَعْظَمْتُهُ أَيِ اعْتَقَدْتُهُ عَظِيمًا وَوَجَدْتُهُ، وَمِنْهُ اسْتَفْعَلْتُ بِمَعْنَى أَصَبْتُ، كَقَوْلِهِمُ: اسْتَجَدْتُهُ أَيْ أَصَبْتُهُ جَيِّدًا: وَمِنْهَا بِمَعْنَى فَعَلَ: كَقَوْلِهِ: قَرَّ فِي الْمَكَانِ وَاسْتَقَرَّ، وقالوا وقوله: (يَسْتَهْزِؤُنَ) وَ (يَسْتَسْخِرُونَ) مِنْهُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) خلقكم لعمارتها)، لا مَعْنَى اسْتَجَدْتُهُ وَاسْتَسْهَلْتُهُ، أَيْ أَصَبْتُهُ جَيِّدًا وَسَهْلًا، وَهَذَا يَسْتَحِيلُ فِي الْخَالِقِ، فَيَرْجِعُ إِلَى أَنَّهُ خَلَقَ، لِأَنَّهُ الْفَائِدَةُ، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الشَّيْءِ بِفَائِدَتِهِ مَجَازًا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ طلب من الله لِعِمَارَتِهَا، فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ، أَمَّا أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ استدعى
عِمَارَتَهَا فَإِنَّهُ جَاءَ بِلَفْظِ اسْتَفْعَلَ، وَهُوَ اسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ بِالْقَوْلِ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ إِذَا كَانَ أَمْرًا، وَطَلَبٌ لِلْفِعْلِ إِذَا كَانَ مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى رَغْبَةً.
قُلْتُ: لَمْ يُذْكَرِ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنَى أَفْعَلَ، مِثْلَ قَوْلِهِ: اسْتَوْقَدَ بِمَعْنَى أَوْقَدَ.
(فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ)
اسْتِفْهَامٌ معناه النَّفْيُ، أَيْ لَا يَنْصُرُنِي مِنْهُ إِنْ عَصَيْتُهُ أَحَدٌ.
(فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) أَيْ تَضْلِيلٍ وإبعاد من الخير، قاله الفراء.
وَالتَّخْسِيرُ لَهُمْ لَا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
كَأَنَّهُ قَالَ: غَيْرَ تَخْسِيرٍ لَكُمْ لَا لِي.