وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ نَاصِيَةٌ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ قَدْ نُصَّتْ وَبَرَزَتْ مِنْ غَيْبِ الْغَيْبِ فَصَارَتْ مَنْصُوصَةً فِي الْمَقَادِيرِ، قَدْ نَفَذَ بَصَرُ الْخَالِقِ فِي جَمِيعِ حَرَكَاتِ الْخَلْقِ بِقُدْرَةٍ، ثُمَّ وُضِعَتْ حَرَكَاتُ كُلِّ مَنْ دَبَّ عَلَى الْأَرْضِ حَيًّا فِي جَبْهَتِهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِنْهُ نَاصِيَةً، لِأَنَّهَا تَنُصُّ حَرَكَاتِ الْعِبَادِ بِمَا قُدِّرَ، فَالنَّاصِيَةُ مَأْخُوذَةٌ بِمَنْصُوصِ الْحَرَكَاتِ الَّتِي نَظَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهَا.
وَوَصَفَ نَاصِيَةَ أَبِي جَهْلٍ فَقَالَ: (ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) [العلق: 16] يُخْبِرُ أَنَّ النَّوَاصِيَ فِيهَا كَاذِبَةٌ خَاطِئَةٌ، فَعَلَى سَبِيلِ مَا تَأَوَّلُوهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ النَّاصِيَةُ مَنْسُوبَةً إِلَى الْكَذِبِ وَالْخَطَأِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)
قَالَ النَّحَّاسُ: الصِّرَاطُ فِي اللُّغَةِ الْمِنْهَاجُ الْوَاضِحُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى كُلِّ شيء فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُهُمْ إِلَّا بِالْحَقِّ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا خَلَلَ فِي تَدْبِيرِهِ، وَلَا تَفَاوُتَ فِي خَلْقِهِ سُبْحَانَهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا)
لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَنْجُو إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ) قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رسول الله؟ قال: (ولا أنا إلا أن يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ) .
وَقِيلَ: مَعْنَى (بِرَحْمَةٍ مِنَّا) بِأَنْ بَيَّنَّا لَهُمُ الْهُدَى الَّذِي هُوَ رَحْمَةٌ.
وَكَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ.
وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ آلَافٍ.
(وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ) أَيْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقِيلَ: هُوَ الرِّيحُ الْعَقِيمُ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي (الذَّارِيَاتِ) وَغَيْرِهَا وَسَيَأْتِي.