الْجَنَّةِ إِلَّا بِقَدْرِ إِقَامَتِهِمْ فِي الْبَرْزَخِ وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ: جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ دَوَامَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بِمَعْنَى الْأَبَدِ عَلَى مَا تَعْرِفُ الْعَرَبُ وَتَسْتَعْمِلُ، وَتَسْتَثْنِي الْمَشِيئَةَ مِنْ دَوَامِهَا؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ وَأَهْلَ النَّارِ، قَدْ كَانُوا فِي وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ دَوَامِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي الدُّنْيَا لَا فِي الْجَنَّةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: خَالِدِينَ فِي الْجَنَّةِ، وَخَالِدِينَ فِي النَّارِ دَوَامِ السَّمَاءِ، وَالْأَرْضِ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ تَعْمِيرِهِمْ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ، الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ عَنِ الضَّحَّاكِ، وَهُوَ {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} مِنْ قَدْرِ مُكْثِهِمْ فِي النَّارِ، مِنْ لَدُنْ دَخَلُوهَا إِلَى أَنْ أُدْخِلُوا الْجَنَّةَ، وَتَكُونُ الْآيَةُ مَعْنَاهَا الْخُصُوصُ؛ لِأَنَّ الْأَشْهَرَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي «إِلَّا» تَوْجِيهُهَا إِلَى مَعْنَى الِاسْتِثَنَاءِ وَإِخْرَاجِ مَعْنَى مَا بَعْدَهَا مِمَّا قَبْلَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا دَلَالَةٌ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْكَلَامِ، أَعْنِي فِي قَوْلِهِ: {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} [هود: 107] تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهَا غَيْرُ مَعْنَى الِاسْتِثَنَاءِ الْمَفْهُومِ فِي الْكَلَامِ فَيُوَجَّهُ إِلَيْهِ.
{وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}
قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَلِلْاخْتِلَافِ خَلَقَهُمْ.