وَيُقَالُ فِي الْأَثَرِ الْمُلْكُ يَبْقَى مَعَ الْكُفْرِ وَلَا يَبْقَى مَعَ الظُّلْمِ، فَمَعْنَى الْآيَةِ: وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ أَيْ لَا يُهْلِكُهُمْ بِمُجَرَّدِ شِرْكِهِمْ إِذَا كَانُوا مُصْلِحِينَ يُعَامِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى الصَّلَاحِ وَالسَّدَادِ.
وَهَذَا تَأْوِيلُ أَهْلِ السُّنَّةِ لِهَذِهِ الْآيَةِ، قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ قَوْمَ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَلُوطٍ وَشُعَيْبٍ إِنَّمَا نَزَلَ عَلَيْهِمْ عَذَابُ الِاسْتِئْصَالِ لَمَّا حَكَى اللَّه تَعَالَى عَنْهُمْ مِنْ إِيذَاءِ النَّاسِ وَظُلْمِ الْخَلْقِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: فِي التَّأْوِيلِ وَهُوَ الَّذِي تَخْتَارُهُ الْمُعْتَزِلَةُ هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ أَهْلَكَهُمْ حَالَ كَوْنِهِمْ مُصْلِحِينَ لَمَا كَانَ مُتَعَالِيًا عَنِ الظُّلْمِ فَلَا جَرَمَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بَلْ إِنَّمَا يُهْلِكُهُمْ لِأَجْلِ سُوءِ أَفْعَالِهِمْ.
(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ(118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)
«فَإِنْ قِيلَ» : إِنَّكُمْ حَمَلْتُمْ قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ) عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْأَدْيَانِ، فَمَا الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، وَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْأَلْوَانِ وَالْأَلْسِنَةِ وَالْأَرْزَاقِ وَالْأَعْمَالِ؟
قُلْنَا: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ مَا قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ قَوْلُهُ: (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً) فَيَجِبُ حَمْلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ عَلَى مَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ أَنْ يَكُونُوا أُمَّةً وَاحِدَةً، وَمَا بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ قَوْلُهُ: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) فَيَجِبُ حَمْلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ عَلَى مَعْنًى يَصِحُّ أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ قَوْلُهُ: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) وَذَلِكَ لَيْسَ إِلَّا مَا قُلْنَا.
(وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ)
فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلِلرَّحْمَةِ خَلَقَهُمْ، وَهَذَا اخْتِيَارُ جُمْهُورِ الْمُعْتَزِلَةِ.