(وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ(69)
أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الدُّعَاءِ، فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: خَيْرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ.
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ جَازَ جَعْلُ النَّكِرَةِ مُبْتَدَأً؟
قُلْنَا: النَّكِرَةُ إِذَا كَانَتْ مَوْصُوفَةً جَازَ جَعْلُهَا مُبْتَدَأً، فَإِذَا قُلْتَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ: فَالتَّنْكِيرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَدُلُّ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: سَلَامٌ كَامِلٌ تَامٌّ عَلَيْكُمْ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُنَا: سَلَامٌ عَلَيْكَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) [مَرْيَمَ: 47] وَقَوْلُهُ: (سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) [يس: 58] (سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ) [الصافات: 79] (الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) [الرَّعْدِ: 23، 24] فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى) [طَه: 47] فَهَذَا أَيْضًا جَائِزٌ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْمَاهِيَّةُ وَالْحَقِيقَةُ.
وَأَقُولُ: قَوْلُهُ: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) أَكْمَلُ مِنْ قَوْلِهِ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) لِأَنَّ التَّنْكِيرَ في قوله: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) يُفِيدُ الْكَمَالَ وَالْمُبَالَغَةَ وَالتَّمَامَ.
وَأَمَّا لَفْظُ السَّلَامِ: فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا الْمَاهِيَّةَ.
قَالَ الْأَخْفَشُ: مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) فَيُعَرِّي قَوْلَهُ: (سَلَامٌ) عَنِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ والتنوين، والسبب في ذلك كَثْرَةَ الِاسْتِعْمَالِ أَبَاحَ هَذَا التَّخْفِيفَ، واللَّه أَعْلَمُ.