«فَإِنْ قِيلَ» : حَاصِلُ الْكَلَامِ هُوَ أَنَّ هُودًا عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: لَوِ اشْتَغَلْتُمْ بِعِبَادَةِ اللَّه تَعَالَى لَانْفَتَحَتْ عَلَيْكُمْ أَبْوَابُ الْخَيْرَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «خُصَّ الْبَلَاءُ بِالْأَنْبِيَاءِ ثُمَّ الْأَوْلِيَاءِ ثُمَّ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ»
فَكَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَأَيْضًا فَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْقُرْآنِ بِالتَّرْغِيبِ فِي الطَّاعَاتِ بِسَبَبِ تَرْتِيبِ الْخَيْرَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ عَلَيْهَا، فَأَمَّا التَّرْغِيبُ فِي الطَّاعَاتِ، لِأَجْلِ تَرْتِيبِ الْخَيْرَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلَيْهَا، فَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِالْقُرْآنِ بَلْ هُوَ طَرِيقٌ مَذْكُورٌ فِي التَّوْرَاةِ؟
الْجَوَابُ: أَنَّهُ لَمَّا أَكْثَرَ التَّرْغِيبَ فِي السَّعَادَاتِ الْأُخْرَوِيَّةِ لَمْ يُبْعِدِ التَّرْغِيبَ أَيْضًا فِي خَيْرِ الدُّنْيَا بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ.
(وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ(58)
قَوْلُهُ: (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا) أَيْ عَذَابُنَا وَذَلِكَ هُوَ مَا نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الرِّيحِ الْعَقِيمِ عَذَّبَهُمُ اللَّه بِهَا سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، تَدْخُلُ فِي مَنَاخِرِهِمْ وَتَخْرُجُ مِنْ أَدْبَارِهِمْ وَتَصْرَعُهُمْ عَلَى الْأَرْضِ عَلَى وُجُوهِهِمْ حَتَّى صَارُوا كَأَعْجَازِ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَهَذِهِ الرِّيحُ كَيْفَ تُؤَثِّرُ فِي إِهْلَاكِهِمْ؟
قُلْنَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ حَرِّهَا أَوْ لِشِدَّةِ بَرْدِهَا أَوْ لِشَدِّهِ قُوَّتِهَا، فَتَخْطَفُ الْحَيَوَانَ مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ تَضْرِبُهُ عَلَى الْأَرْضِ، فَكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ [1] .
[1] إذا تعلق الأمر بقدرة الله تعالى فلا وجه للتعجب والسؤال، والله أعلم. اهـ.