فأعلم الله تعالى ، أن الإيمان لا ينفع عند نزول العذاب ، ثمّ قال: {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ} معناه: لكن قوم يونس {لَمَّا ءامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ} يعني: آمنوا قبل المعاينة ، فكشفنا عنهم.
وروى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا} كما نفع قوم يونس.
وعن قتادة: إنَّ قوم يونس عليه السلام خرجوا ونزلوا على تل ، فدعوا الله تعالى أربعين ليلة ، حتى تاب الله عليهم.
وروي عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم أنَّ يونس بعثه الله تعالى إلى قومه ، فدعاهم إلى عبادة الله تعالى ، وترك ما هم فيه من الكفر ، فأبوا ، فدعا ربه فقال: يا رب قد دعوتهم ، فأبوا.
فأوحى الله تعالى إليه أن ادعهم ، فإن أجابوك وإلا فأعلمهم أن العذاب يأتيهم إلى ثلاثة أيام.
فدعاهم فلم يجيبوه ، فأخبرهم بالعذاب ، فقالوا: ما جربنا عليه كذباً مذ كان معنا ، فإن لم يلبث معكم ، وخرج من عندكم ، فاحتالوا لأنفسكم.
فلمّا كان بعض الليل خرج يونس من بينهم ، فلما كان اليوم الثالث رأوا حمرة وسواداً في السماء ، كهيئة النار والدخان ، فظنُّوا أن العذاب نازل بهم ، فجعلوا يطلبون يونس عليه السلام فلم يجدوه ، فلما كان آخر النهار أيسوا من يونس.
وجعل يهبط السواد والحمرة ، فقال قائل منهم: إن لم تجدوا يونس عليه السلام فإنكم تجدون رب يونس ، فادعوه ، وتضرعوا إليه.
فخرجوا من القرية إلى الصحراء ، وأخرجوا النساء والصبيان والبهائم ، وفرقوا بين كل إنسان وولده ، وبين كل بهيمة وولدها ، ثمّ عجوا إلى الله تعالى مؤمنين ، مصدقين.
وارتفعت أصوات الرجال والنساء والصبيان ، وخوار البهائم وأولادها ، واختلطت الأصوات ، وقربت منهم الحمرة والدخان ، حتى غشي السواد سطوحهم ، وبلغهم حرُّ النار.