وهذه السورة التي تُخْتَم بهذه الآية الكريمة ، تعرضت لقضية الإيمان بالله ، قمة في عقيدة لإله واحد يجب أن نأخذ البلاغ منه سبحانه ؛ لأنه الرب الذي خلق من عَدَم ، وأمدَّ من عُدْم ، ولم يكلِّفنا إلا بعد مرور سنوات الطفولة وإلى البلوغ ؛ حتى يتأكد أن المكلَّف يستحق أن يُكلَّف بعد أن انتفع بخيرات الوجود كله ، وتثبَّت من صدق الربوبية .
ومعنى الربوبية هو التربية ، وأن يتولى المربِّي المربَّى إلى أن يبلغ حَدَّ الكمال المرجوّ منه .
وقد صدقتْ هذه القضية في الكون .
إذن: نستمع إلى الرب سبحانه وتعالى الذي خلق ، حين يُبِّين لنا مهمتنا في الحياة بمنهج تستقيم به حركة الحياة ، ويستقيم أمر الإنسان مع الغاية التي يعرفها قبل أن يخطو أي خطوة .
ومن المحال أن يخلق الله سبحانه وتعالى المخلوق ثم يُضيِّعه ، بل لا بد أن يضع له قانون صيانة نفسه ؛ لأن كل صنعة إنما يضع قانونها ويحدد الغاية لها مَنْ صنعها ، فإذا ما خالفنا ذلك نكون قد أحَلْنا وغيَّرنا الأمور ، وأدخلنا العالم في متاهات ، وصار لكل امرئ غاية ، ولكل امرئ منهج ، ولكل عقل فكر ، ولَصار الكون متضارباً ؛ لأن الأهواء ستتضارب ، فتضعف قوة الأفراد ؛ لأن الصراع بين الأنداد يُضعِف قوة الفرد عن معالجة الأمر الذي يجب أن يعالجه .
فأراد الله سبحانه وتعالى توحيداً في العقيدة ، وتوحيداً في المنهج .
وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يضرب لنا مثلاً تطبيقياً في مواكب الرسالات ، فذكر لنا في هذه السورة قصة نوح عليه السلام وقصة موسى وهارون عليهما السلام وذكر بينهما القصص الأخرى .
ثم ذكر قضية يونس عليه السلام .
ثم ختم السورة بقوله سبحانه:
{واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ} [يونس: 109] .
بلاغاً عن الله تعالى .
وما دُمْتَ تبلّغ ، وأمتك أمة محسوبة إلى قيام الساعة أنها وارثة النبوة ، ولم تَعُدْ هناك نبوة بعدك يا محمد صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً .