وَأَمَّا صِفَةُ الْمَشِيئَةِ فَتَأَمَّلْ فِيهَا أَمْرَهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الْأَعْظَمِ فِي الْآيَةِ: (قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ) (16) إِلَخْ . وَفِي الْآيَةِ: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ) (49) تَعْلَمْ مِنْهُ قَدْرَ إِيمَانِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَشِيئَةِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، ثُمَّ انْظُرْ قَوْلَهُ تَعَالَى لَهُ: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) (99) تَعْلَمْ مِنْهُ كَيْفَ شَاءَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَخْلُقَ الْمُكَلَّفِينَ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ مُخْتَلِفِي الِاسْتِعْدَادِ لِلْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَأَنَّ مَا وَهَبَهُ مِنَ الْمَشِيئَةِ وَالِاسْتِطَاعَةِ لِأَعْظَمِهِمْ قَدْرًا وَفَضْلًا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ مُقْتَضَى مَشِيئَتِهِ وَسُنَنِهِ فِي نِظَامِ خَلْقِهِ ، وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَهُ: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) (100) وَهُوَ بَيَانٌ لِسُنَّتِهِ الَّتِي اقْتَضَتْهَا مَشِيئَتُهُ فِي اخْتِيَارِهِمْ لِكُلٍّ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ ، وَمَا يَسْتَلْزِمَانِ مِنْ عَمَلِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ .