وجاء الحق سبحانه بالشكِّ ، فقال {إِن} ولم يقل:"إذا تعدون نعمة الله"؛ لأن أمر لن يحدث ، كما أن الإقبال على العَدِّ هو مظنَّة أنه يمكن أن يحصي ؛ فقد تُعدُّ النقود ، وقد يَعدّ الناظر طلاب المدرسة ، لكن أحداً لا يستطيع أن يُعدّ أو يُحصى حبَّات الرمال مثلاً .
وقال الحق سبحانه وتعالى:
{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَآ} [النحل: 18] .
وهذا شَكُّ في أن تعدوا نِعمة الله .
ومن العجيب أن العدَّ يقتضي التجمع ، والجمع لأشياء كثيرة ، ولكنه سبحانه جاء هنا بكلمة مفردة هي {نِعْمَةَ} ولم يقل:"نِعَم"فكأن كل نعمة واحدة مطمور فيها نِعَمٌ شتَّى .
إذن: فلن نستطيع أن نعدَّ النِّعَم المطمورة في نعمة واحدة .
وجاء الحق سبحانه بذكر عَدِّ النعم في آيتين:
الآية الأولى تقول:
{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34] .
والآية الثانية تقول:
{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 18] .
وصَدْر الآيتين واحد ، ولكن عَجُزَ كل منهما مختلف ، ففي الآية الأولى: {إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34] .
وفي الآية الثانية: {إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 18] .
لأن النعمة لها مُنْعِم ؛ ومُنْعَم عليه ، والمنعَم عليه بذنوبه لا يستحق النعمة ؛ لأنه ظلوم وكفار ، ولكن المنعم سبحانه وتعالى غفور ورحيم ، ففي آية جاء مَلْحظ المنعِم ، وفي آية أخرى جاء ملحظ المنعَم عليه .
ومن ناحية المنعَم عليه نجده ظَلُوماً كفَّاراً ؛ لأنه يأخذ النعمة ، ولا يشكر الله عليها .
ألم تَقْلُ السماء: يارب! ائذن لي أن أسقط كِسَفاً على ابن آدم ؛ فقد طَعِم خيرك ، ومنع شكرك .
وقالت الأرض: ائذن لي أن أخسف بابن آدم ؛ فقد طَعِم خيرك ، ومنع شكرك .
وقالت الجبال: ائذن لي أن أسقط على ابن آدم .