"إن هذا الكون، كون مؤمن مسلم، يعرف بارئه ويخضع له، ويسبح بحمده كل شيء فيه وكل حي - عدا بعض الأناسي! - و"الإنسان"يعيش في هذا الكون الذي تتجاوب جنباته بأصداء الإيمان والإسلام، وأصداء التسبيح والسجود. وذرات كيانه ذاته وخلاياه تشارك في هذه الأصداء؛ وتخضع في حركتها الطبيعية الفطرية للنواميس التي قدرها الله. فالكائن الذي لا تستشعر فطرته هذه الأصداء كلها؛ ولا تحس إيقاع النواميس الإلهية فيها هي ذاتها، ولا تلتقط أجهزته الفطرية تلك الموجات الكونية، كائن معطلة فيه أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية. ومن ثم لا يكون هنالك سبيل إلى قلبه وعقله بالجدل، إنما يكون السبيل إلى علاجه هو محاولة تنبيه أجهزة الاستقبال والاستجابة فيه، واستجاشة كوامن الفطرة في كيانه، لعلها تتحرك، وتأخذ في العمل من جديد".
ولفت الحس والقلب والعقل للنظر إلى ما في السماوات والأرض، وسيلة من وسائل المنهج القرآني لاستحياء القلب الإنساني؛ لعله ينبض ويتحرك، ويتلقى ويستجيب.
ولكن أولئك المكذبين من الجاهليين العرب - وأمثالهم - لا يتدبرون ولا يستجيبون .. فماذا ينتظرون؟
إن سنة الله لا تتخلف، وعاقبة المكذبين معروفة، وليس لهم أن يتوقعوا من سنة الله أن تتخلف. وقد يُنظرهم الله فلا يأخذهم بعذاب الاستئصال، ولكن الذين يصرون على التكذيب لا بد لهم من النكال:
{فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم؟} .. {قل: فانتظروا إني معكم من المنتظرين} .. وهو التهديد الذي ينهي الجدل، ولكنه يخلع القلوب.
ويختم هذا المقطع من السياق بالنتيجة الأخيرة لكل رسالة ولكل تكذيب، وبالعبرة الأخيرة من ذلك القصص وذلك التعقيب:
{ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا. كذلك حقاً علينا ننج المؤمنين} ..
إنها الكلمة التي كتبها الله على نفسه: أن تبقى البذرة المؤمنة وتنبت وتنجو بعد كل إيذاء وكل خطر، وبعد كل تكذيب وكل تعذيب ..
هكذا كان - والقصص المروي في السورة شاهد - وهكذا يكون .. فليطمئن المؤمنون. انتهى انتهى. {الظلال حـ 3 صـ 1809 - 1824}