ثم أيكون هناك تعارض بين إباحة هذا السؤال عند الشك وبين قوله: {فلا تكونن من الممترين} ؟.. ليس هنالك تعارض ، لأن المنهي عنه هو الشك والبقاء على الشك ؛ بحيث يصبح صفة دائمة.. {من الممترين} .. ولا يتحرك صاحبها للوصول إلى يقين. وهي حالة رديئة لا تنتهي إلى معرفة ، ولا تحفز إلى استفادة ، ولا تئول إلى يقين.
وبعد فإذا كان ما جاء إلى الرسول هو الحق الذي لا مرية فيه ، فما تعليل إصرار قوم على التكذيب ولجاجهم فيه؟ تعليله أن كلمة الله وسنته قد اقتضت أن من لا يأخذ بأسباب الهدى لا يهتدي ، ومن لا يفتح بصيرته على النور لا يراه ، ومن يعطل مداركه لا ينتفع بوظيفتها ، فتكون نهايته إلى الضلال ، مهما تكن الآيات والبينات ، لأنه لا يفيد شيئاً من الآيات والبينات. وعندئذ تكون كلمة الله وسنته قد حقت عليهم وتحققت فيهم:
{إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ، ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} ..
فلا ينفعهم الإيمان حينئذ لأنه لم يجئ عن اختيار. ولم تعد هنالك فرصة لتحقيق مدلوله في الحياة. ومنذ هنيهة كان أمامنا مشهد يصدق هذا. مشهد فرعون حين أدركه الغرق يقول: {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} .. فيقال له: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين؟!} .
وعند هذا الموقف الذي تظهر فيه حتمية سنن الله العامة ، وانتهاؤها إلى نهايتها المرسومة ، متى تعرض الإنسان لها باختياره ، تفتح نافذة مضيئة بآخر شعاع من أشعة الأمل في النجاة. ذلك أن يعود المكذبون عن تكذيبهم قبيل وقوع العذاب:
{فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها! إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} ..