وَيَجْعَلَهُ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي قِصَّةِ آدَمَ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَفِي آيَاتٍ أُخْرَى ، هَكَذَا خَلَقَ اللهُ الْإِنْسَانَ ، مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) أَيْ إِنَّ هَذَا لَيْسَ فِي اسْتِطَاعَتِكَ أَيُّهَا الرَّسُولُ ، وَلَا مِنْ وَظَائِفِ الرِّسَالَةِ الَّتِي بُعِثْتَ بِهَا أَنْتَ وَسَائِرُ الرُّسُلِ: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) (42: 48) (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) (50: 45) وَهَذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي أَنَّ الدِّينَ لَا يَكُونُ بِالْإِكْرَاهِ أَيْ لَا يُمْكِنُ لِلْبَشَرِ وَلَا يُسْتَطَاعُ ، ثُمَّ نَزَلَ عِنْدَ التَّنْفِيذِ (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (2: 256) أَيْ لَا يَجُوزُ وَلَا يَصِحُّ بِهِ ، وَذَكَرْنَا فِي تَفْسِيرِنَا سَبَبَ نُزُولِهَا ، وَهُوَ عَزْمُ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْعِ أَوْلَادٍ لَهُمْ كَانُوا تَهَوَّدُوا مِنَ الْجَلَاءِ مَعَ بَنِي النَّضِيرِ مِنَ الْحِجَازِ ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ يُخَيِّرُوهُمْ وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ إِيمَانَ الْمُكْرَهِ بَاطِلٌ لَا يَصِحُّ ، لَكِنَّ نَصَارَى الْإِفْرِنْجِ وَمُقَلِّدِيهِمْ مِنْ أَهْلِ الشَّرْقِ لَا يَسْتَحُونَ مِنَ افْتِرَاءِ الْكَذِبِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ ، وَمِنْهُ رَمْيُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرِهُونَ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَيُخَيِّرُونَهُمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّيْفِ يَقُطُّ رِقَابَهُمْ ، عَلَى حَدِّ الْمَثَلِ: (رَمَتْنِي بِدَائِهَا وَانْسَلَّتْ) .