"إن المؤرخ سوف يلاحظ أن تحوُّل أوروبا إلى المسيحية كان مرجعُه بالدرجة الأولى إلى الحساب المادي، أو الضغط السياسي، وإذا استثنينا أفرادًا وجماعات من مختلف الشعوب والأجناس عبر قرون طويلة قَبِلت النصرانية عن قناعات شخصية، فمِمَّا لا شك فيه أن تحوُّل الجموع الكبيرة من الأوروبيين إلى النصرانية قد تم تحت رعبِ السيف، وطلبًا لمكاسب مادية، لا علاقة لها بمملكة السماء وعطاياها الأخروية، ويكفي التذكرة بما فعله"شارلمان"حين قَتَل في يوم واحد 4500 إنسان رفضوا التنصر، ثم ما فَعَلتْه البابوية حين فوَّضت فرسانَها بغزوِ شعوب البلطيق، والاستيلاء على أراضيها ثمن تقديم النصرانية إليها."
لقد كان السيف هو الوسيلةَ الوحيدة لتعاملِ الصليبية مع نفسها، كما حدث في الحروب الصليبية المحلية بين مختلف القوى الصليبية الأوروبية، كما كان السيف هو الوسيلةَ الرئيسية مع الشعوب الإسلامية [4] .
يقرِّر هذه الحقيقةَ أحدُ كبار مؤرِّخي الحروب الصليبية، معترفًا بالمذابح التي ارتكبها الصليبيون في سكَّان البلاد التي استولوا عليها، رغم ما بذلوه لهم من الأمان، ولم يقتصر الأمرُ على غير أبناء عقيدتهم فحسب، بل يعترف"ستيفن رنسيمان"بأن الصليبيين الذين سقطتْ في أيديهم بيتُ المقدس (يوليو - 1099) حينما استقروا في الشرق، لم يعاملوا إخوانَهم بما يفضل ما عاملهم به الخليفة، والواقع - على حد قوله - أنهم كانوا أشد قسوة وعنفًا [5] .
والواقع أن نجاح الحملات الصليبية أوَّلَ الأمر لم يرجعْ - فحسب - إلى كثرةِ أعداد الصليبيين، وإلى ما تلقَّوه من مساعداتٍ من الغرب الصليبي ومن الدولة البيزنطية، بل يرجع أساسًا إلى تمزُّق كلمة المسلمين، ونشوبِ الفتن الداخلية، واضطراب الأمن، وإلى ما اتَّبَعه الصليبيون من أساليب الغدر والخيانة، واستخدام العُمَلاء من السكَّان الوطنيين في تحقيق أغراضهم، وإلى ما أَجْرَوه من مذابحَ في سكان البلاد التي استولوا عليها، برغم ما بذلوه من الأمان، وأدرك المسلمون آخرَ الأمر أن الصليبيين لم يستهدفوا إلا مصلحتَهم الشخصية، وأنهم يتطلَّعون إلى مدِّ نفوذهم وسلطانهم إلى سائر البلاد الإسلامية.