إذن: أقْبِلْ على الله سبحانه وعلى ذكر الله ، وأنت إنْ ذكرت الله في نفسك ، فالله يذكرك فيه نفسه ، وإن ذكرته في ملأ ذكرك في ملأ خير منه ، فالملأ الذي ستذكره فيه ملأ خَطَّاءٌ ، والله سبحانه سيذكرك في ملأ طاهر .
ويقول الحق سبحانه في ذات الحديث القدسي:
"إنْ تقرَّب إليَّ شبراً تقرَّبت إليه ذراعاً".
والذراع أطول من الشِّبر .
ويقول:"وإن أتاني يمشي أتيته هرولة".
فالمشي قد يُتعب العبد ، لذلك يُسرع إليه الحق عز وجل ، وهو سبحانه بكل ربوبيته ما إنْ يعلمْ أن عبداً قد صفا قلبه من خصومة الله تعالى في شيء ، حتى يفتح أمامه أبواب محبته سبحانه ، فيحبِّب فيه خلقه ، ويجعل له مدخل صدق في كل أمر ومخرج صدق من كل ضيق ، وهو الحق القائل:
{والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17] .
ونلحظ أن الحق سبحانه يؤكد في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها أنه لو شاء لآمن مَنْ في الأرض جميعاً ؛ ليبيِّن لنا أنه حتى إبليس الذي دخل في جدالٍ مع الله ، لو شاء الحق سبحانه لآمن إبليس .
وجاء الحق سبحانه بهذا التأكيد ؛ لِيُحْكِمَ الأمرَ حول كل خَلْقه ومخلوقاته ، فلا يشذ منهم أحد .
ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية:
{أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99] .
أراد الحق سبحانه أن يُنبِّه رسوله صلى الله عليه وسلم وكل المؤمنين أنه:
{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين} [البقرة: 256] .
لأن مطلوبات الدين ليست هي المطلوبات الظاهرة فقط التي تقع عليها العين ، فهناك مطلوبات أخرى مستترة ، فَهَبْ إنك أكرهت قالباً أتستطيع أن تُكرِه قلباً؟
والحق سبحانه وتعالى يريد قلوباً لا قوالب .