ولذلك ترك الحق سبحانه الإنسان مختاراً ليؤمن أو لا يؤمن ، وهذا ما يثبت له المحبوبية إن جئته مؤمناً ، وهذا يختلف عن إيمان القَسْر والقهر ، فالإيمان المطلوب من الإنسان أو الجن هو إيمان الاختيار .
وأما إيمان القسر والقهر ، فكل ما في الكون من عوالم مؤمن بالحق سبحانه ، مُسبِّح له .
والحق سبحانه وتعالى يقول:
{وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] .
وهذا ليس تسبيح دلالة ورمز ، بل هو تسبيح حقيقي ، بدليل قوله سبحانه وتعالى: {ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] .
فإن فقَّهك الله تعالى في لغاتهم لعلمت تسبيح الكائنات ، بدليل أنه عَلَّم سليمان عليه السلام منطق الطير ، وسمع النملة تقول:
{يا أَيُّهَا النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [النمل: 18] .
والهدهد قال لسليمان عليه السلام ما رآه عن بلقيس ملكة سبأ:
{وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ الله وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ} [النمل: 24] .
إذن: فكل ما في الكون مُسبِّح لله تعالى ، يسير على منهجه سبحانه ما عدا المختار من الثقلين: الإنسان والجان ؛ لأن كلاً منهما فيه عقلٌ ، وله مَيْزة الاختيار بين البدائل .
ومن عظمة الحق سبحانه وتعالى أن خلق للإنسان الاختيار حتى يذهب المؤمن إليه اختياراً ، ولو شاء الحق سبحانه وتعالى أن يجبر الإنسان على الإيمان لَفعلَ .
أقول ذلك حتى لا يقولن أحد: ولماذا كل هذه المسائل من خَلْق وإرسال رُسل ، وتكذيب أناس ، ثم إهلاك المكذِّبين؟
ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: