قوله: {فَلَمَّا جَآءَ السحرة قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ} يعني: من حبالهم ، وعصيهم ، وفي الكلام اختصار ، والمعنى: فأَتَوْه بالسحرة {فَلَمَّا جَآءَ السحرة} فرعون بفعلهم {قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ} {فَلَمَّآ أَلْقُواْ} أي: ألقَوْا حبالهم وعصيهم . قال موسى: {مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر} من استفهم جعل"ما"في موضع
نصب ، كما تقول: أزَيْداً مررت به ، أو في موضع رفع بالابتداء . و"جئتم به": الخبر ، ومعناه: التوبيخ والتقصير لما جاؤوا به . السحر على إضمار مبتدأ: أي: هُوَ السحْرُ ، أو على إضمار خبر ، أي: أسحر هو.
ومن قرأ بغير استفهام"فما"بمعنى:"الذي"في موضع رفع بالابتداء.
والسحر: الخبر . وهو خبر عن قول موسى لهم ، وهو الاختيار . لأن موسى قد عَلِمَ أنهم لا شيء عندهم إلا السحر ، وأن فرعون بعث وراء السحرة في سائر البلدان . فاستفهام موسى عما أتوا به ، هل هو من سحر لا معنى له: وقد احتج اليزيدي بقراءة أبي عمرو بالمد بقوله:"آسِحْرٌ"هذا وهذا منه غلط عند
النحويين ، لأن موسى استفهم بقوله: آسِحْرٌ ، عن سحر السحرة ، فهو استرشاد . وفيه معنى النهي لهم عن ذلك.
واستفهم بقوله: أٍحر هذا عما جاء هو به من عند الله عز وجل ، على معنى التوبيخ ، والتقرير لهم . وفيه معنى الدعاء لهمز ليقلبوه ، فبينما بعد في المعنى ، ودخلت الألف واللام لتقدم ذكر السحر في قوله: {أَسِحْرٌ هذا} [يونس: 77] وعلى هذا يقال في أول الكتب: سلام عليك ، وفي الآخر: والسلام عليك ، وكذلك لو قال قائل:"وجدت درهماً"فسألته عن موضع الدرهم لقلب:"وأين الدرهم ، ويُفْتَح"وأين درهم.
وأجاز الفراء نصب السحر على أن تجعل"ما"شرطاً ، وتحذف الفاء من"أن". وذلك لا يجوز إلا في الشعر.