وفي حرب مسيلمة الكذاب عندما دخل البستان وأغلقوا الأبواب وحاصره المسلمون وعليهم أن يفتحوا الباب الموصد من الداخل لا بد أن ينزل أحد يفتحه، قام البراء ابن مالك رضي الله عنه فرفعوه لنحافته على التُرس الذي يتترس به المقاتلون رفعوه وسقط على عشرة آلآف وركض إلى الباب وتناولته السهام والسيوف والرماح وهو يركض إلى أن وصل إلى الباب ففتحه ودخل المسلمون ووجدوا في البراء مئات الضربات لكنه ما مات، المهم هو قدّم سبباً فالله سبحانه وتعالى أعانه. فالطبيب والدواء سبب ينبغي أن يقر في قلوبنا أن الله سبحانه وتعالى هو الشافي ولا يجوز أن أجلس في بيتي وأقول الله تعالى يشفيني وفي الحديث الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أمر"تداووا". إذن لا كاشف للضر إلا هو سبحانه هذا حصر، (لا كاشف له إلا هو) هذا أسلوب حصر حتى يقرّ في عقيدة المسلم أن الذي يرفع الضر هو الله سبحانه وتعالى وليس سواه جلّت قدرته .. ولا نستطيع هنا أن نقول لا كاشف له إلا الله لأنه تقدم ذكر الله سبحانه وتعالى في الآية. إذا قيل في غير القرآن إذا مسّك ضر فلا كاشف له إلا الله يمكن، لكن لما يتقدم اسم الجلالة لا يكرر لأنه يكون تكراراً غير مستقيم هنا. كأنه لو قلت في غير القرآن: إذا مسك زيد بضُر فلا كاشف له إلا زيد، كأن هناك زيدان ويصبح هناك نوع من الخلل.
(وإن يردك بخير فلا راد لفضله) : هناك قال يمسسك وهنا قال يُردك. المسّ مبتشر وهو جاء منسجماً مع كلمة الظالمين في الآية التي سبقتها، (وإن يردك بخير) أي إذا وجّه الخير إليك فلا رادّ لفضله لأن الردّ يكون للشيء قبل وقوعه أما الكشف فيكون عن الشيء بعد وقوعه فاستعمل كلمة كاشف مع المس لأنه واقع واستعمل كلمة رادّ مع (يردك) لأن يردك بخير لم يقع. واستعمال (إن) للإحتمال ليس للجزم أو القطع، إن كان هذا وإن كان هذا.
والسؤال الذي يرد: أن كلمة المسّ واقعة وكلمة الخير منتظرة (وإن يمسسك الله بضر) قرّبها، هو إحتمال لكن قريب. يُردك أيضاً لكن المسّ فيه شيء ماديّ والإرادة فيها شيء أبعد. كلا الفعلين على أمل الحدوث ليس مجزوماً بحدوثه ولكن هذا لأنه فيه جانب المس على إحتمال الحدوث لكن المسّ أقرب فاستعمل معه كلمة الكشف لأن المس عادة يكون واقع (مسّه أي وقع) فكشفه لكن الإرادة قبل ذلك فاستعمل معها رادّ لذا استعمل هنا كاشف وهنا رادّ.