ولما سأل بعض الصحابة قتل هذا المتطاول منعه الرسول الكريم. وحذر من ظهور طائفة على شاكلته وصفهم بقوله:"تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، يقرأون القرآن ولا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية".
ومعنى:"لا يجاوز حناجرهم": أي لا تفقهه قلوبهم، ولا تستضئ به عقولهم، ولا ينتفعون بما تلوا منه، رغم كثرة الصلاة والصيام.
ومما وصفهم به كذلك: أنهم"يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان".
فآفة هؤلاء ليست في ضمائرهم ولا نياتهم، بل في عقولهم وأفهامهم، ولهذا وصفوا في حديث آخر بأنهم:"حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام".
وإنما أتى هؤلاء من قلة العلم، ونقص الفقه، فلم ينتفعوا بكتاب الله، مع أنه يتلونه رطبا، لكنها تلاوة بلا فقه، وربما فقهوه فقها أعوج، يناقض ما أراد به منزله تبارك وتعالى.
ولهذا حذر الإمام الجليل الحسن البصري من الإيغال في التعبد والعمل، قبل التحصن بالعلم والتفقه، وقال في ذلك كلمته البليغة المعبرة:"العامل على غير علم كالسالك على غير طريق، والعامل على غير علم يفسد أكثر مما يصلح، فاطلبوا العلم طلبا لا يضر بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبا لا يضر بالعلم، فإن قوما طلبوا العبادة وتركوا العلم، حتى خرجوا بأسيافهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا".
العلم شرط في كل عمل قيادي (سياسي أو عسكري أو قضائي)
ومن هنا كان العلم شرطا في كل عمل قيادي، سواء أكان عملا سياسيا إداريا، مثل عمل يوسف عليه السلام الذي قال له ملك مصر: (إنك اليوم لدينا مكين، قال اجعلني على خزائن الأرض، إني حفيظ عليم) ، فأشار إلى مؤهلاته الخاصة التي ترشحه لهذا العمل الكبير الذي كان يشمل المالية والاقتصاد والتخطيط والزراعة والتموين في ذلك الحين. وقوام هذه المؤهلات أمران: الحفظ (وهو يعني الأمانة) ، والعلم، ويراد بالعلم، ويراد بالعلم هنا: الخبرة به والكفاية فيه.
وهذا يوافق ما جاء على لسان ابنه الشيخ الكبير في سورة القصص: (إن خير من استأجرت القوي الأمين) .