وإنما كان العلم مقدما على العمل، لأنه هو الذي يميز الحق من الباطل في الاعتقادات، والصواب من الخطأ في المقولات، والمسنون من المبتدع في العبادات، والصحيح من الفاسد في المعاملات، والحلال من الحرام في التصرفات، والفضيلة من الرذيلة في الأخلاق، والمقبول والمردود في المعايير، والراجح والمرجوح في الأقوال والأعمال.
ولهذا وجدنا كثيرا من المصنفين من علمائنا السابقين يبدأون مصنفاتهم بـ"كتاب العلم".
مثل ما صنع الإمام الغزالي في كتابيه:"إحياء علوم الدين"، و"منهاج العابدين". وكذلك فعل الحافظ المنذري في كتابه"الترغيب والترهيب"، فبعد ذكر أحاديث في النية والإخلاص واتباع الكتاب والسنة ـ بدأ بكتاب"العلم".
وفقه الأولويات الذي نتحدث عنه مبناه ومداره على العلم، فبه نعرف ما حقه أن يقدم، وما شأنه أن يؤخر، وبدون هذا العلم نخبط خبط عشواء.
وما أصدق ما قاله الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز: من عمل في غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح.
وهذا واضح في بعض الفئات من المسلمين، الذين لم تكن تنقصهم التقوى أو الإخلاص والحماس، وإنما كان ينقصهم العلم والفهم بمقاصد الشرع، وحقائق الدين.
وهذا ما وصف به الخوارج الذين قاتلوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، على فضله ومكانته في نصرة الإسلام، وقربه من رسول الله نسبا وصهرا وحبا، واستحلوا دمه ودماء من سواهم من المسلمين، يتقربون بذلك إلى الله!!
وهؤلاء امتداد لمن اعترض على قسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الأموال، فقال له بجلافة وجهالة: اعدل! فقال:"ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خبت إذن وخسرت إن لم أكن أعدل"!
وفي رواية: أن هذا الجلف الجافي قال له: يا رسول الله، اتق الله! قال:"أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله"؟!
لم يفقه هذا ومثله سياسة تأليف القلوب، وما تجلبه من مصالح عظيمة للأمة، وقد شرعها الله في كتابه، وأجاز الصرف فيها من الصدقات، فكيف من الغنائم والفيء؟