والأئمة الآخرون مثل: ابن العربي والسرخسي وابن الجوزي وابن قدامة والقرافي وابن تيمية وابن القيم والشاطبي وابن خلدون وابن حجر وابن الوزير وابن الهمام والسيوطي والدهلوي والشوكاني وغيرهم ملئوا الأرض علما وفضلا.
إن من الناس من يموت قبل موته، وينتهي عمره وهو محسوب على الأحياء، ومنهم من يحيا بعد موته، ويخلف من صالح الأعمال، أو نافع العلم، أو صالح الذرية والتلاميذ ما يضيف إلى عمره أعمارا تطول وتطول.
أولوية العلم على العمل
من أهم الأولويات المعتبرة شرعا: أولوية تقديم العلم على العمل. فالعلم يسبق العمل، وهو دليله ومرشده. وفي حديث معاذ:"العلم إمام، والعمل تابعه".
ولهذا وضع الإمام البخاري بابا في كتاب العلم من جامعه الصحيح جعل عنوانه:"باب: العلم قبل القول والعمل"، وقال شراحه: أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو متقدم عليهما، مصحح للنية، المصححة للعمل. قالوا: فنبه البخاري على ذلك، حتى لا يسبق إلى الذهن ـ من قولهم: بأن العلم لا ينفع إلا بالعمل ـ تهوين أمر العلم، والتساهل في طلبه.
واحتج البخاري لما ذكره ببعض الآيات والأحاديث الدالة على دعواه.
فمن الآيات قوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) . فأمر رسوله بالعلم بالتوحيد أولا، ثم ثنى بالاستغفار، وهو عمل. والخطاب وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم، فهو متناول لأمته.
ومنها قوله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ، فالعلم هو الذي يورث الخشية، الدافعة إلى العمل.
ومن الأحاديث: قوله صلى الله عليه وسلم:"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"، لأنه إذا فقه عمل، وأحسن ما عمل.
مما يستأنس به لتقديم العلم على العمل: أن أول ما نزل من القرآن: (اقرأ) ، والقراءة مفتاح العلم، ثم نزل العمل في مثل: (يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر) .