وحسبنا أن النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة ـ هي كل زمن البعثة ـ بارك الله في حياته فأسس أعظم دين، وربى أفضل جيل، وأنشأ خير أمة، وأقام أعدل دولة، وانتصر على الوثنية الكافرة، واليهودية الغادرة، وورث أمته ـ بعد كتاب الله ـ سنة هادية، وسيرة جامعة.
وأبو بكر رضي الله عنه في سنتين ونصف استطاع أن يسحق المتنبئين الكذابين، ويعيد المرتدين إلى حظيرة الإسلام، ويجندهم في فتح فارس والروم، وأن يؤدب مانعي الزكاة، ويحفظ للفقراء حقوقهم التي فرض الله لهم في أموال الأغنياء، ويسجل التاريخ أن الدولة الإسلامية هي أول من قاتل من أجل حقوق الفقراء.
وعمر بن الخطاب في عشر سنوات: فتح الفتوح في الخارج، وأرسى قواعد دولة العدل والشورى في الداخل، وسن سننا حسنة لمن بعده"أوليات عمر"، ورسخ دعائم الفقه الجماعي، وخصوصا فقه الدولة، القائم على اعتبار المقاصد، والموازنة بين المصالح، والتكافل بين الأجيال، وجرأ الناس على النصح للحاكم ونقده:"لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها"مع زهد في الدنيا، وقوة في الحق، وتحقيق للعدالة والمساواة بين الناس جميعا، إلى حد الاقتصاص من ولاة الأقاليم وأبنائهم.
وعمر بن عبد العزيز في ثلاثين شهرا (هي كل مدة خلافته) : أحيا الله به من سنن العدل والهدى، وأمات به من بدع الجور والضلالة، ورد من المظالم، وأقر من الحقوق، ما أعاد للناس الثقة بالإسلام، فأمنت الأنفس من خوف، وطعم الناس من جوع، وانتشر الرخاء، حتى أصبح صاحب المال يهمه: أين يضع زكاته، فقد أغنى الله الناس.
والإمام الشافعي عاش أربعا وخمسين سنة ـ قمرية ـ (150_ 204 هـ) وخلف وراءه هذه الكنوز العلمية الجليلة الأصيلة.
والإمام الغزالي عاش خمسا وخمسين سنة (450_ 505 هـ) ، وترك للأمة هذه الثروة العلمية المتنوعة الهائلة.
والإمام النووي عاش خمسا وأربعين سنة (631_ 676 هـ) ترك فيها تراثا نفع الله به المسلمين كافة: في الحديث وفي الفقه، من الأربعين النووية في الحديث إلى شرح مسلم، ومن المنهاج في الفقه إلى روضة الطالبين والمجموع، وفي غيرها نجد له تهذيب الأسماء واللغات.