الوجه الثاني في زيادة التصديق: أنهم يصدقون بكل ما يتلى عليهم من عند الله، يصدقون بالأول والثاني والثالث، وكل ما يأتي من عند الله؛ فيزيد تصديقهم؛ لأن من صدق إنسانًا في شيئين كان تصديقه له أكثر من تصديق من صدقه في شيء واحد، وهذا معنى قول أبي إسحاق، يدل على صحة هذا قول مقاتل: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} : تصديقًا مع تصديقهم بما أنزل عليهم من قبل ذلك من القرآن.
فعلى هذا ما من آية استأنفوا بها تصديقًا إلا ازدادوا إيمانا.
وقوله تعالى: {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} . قال ابن عباس: يريد بالله يثقون، لا يرجون غيره.
4 -قوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} الإشارة في قوله (أولئك) إلى من وصف بالأوصاف التي تقدمت.
قال ابن عباس: يقول: (برئوا من الكفر) ، وقال الكلبي: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ} صدقًا منهم لأنه لم يكن يوم بدر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا الصادق في إيمانه.
وقال مقاتل: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ} لا شك في إيمانهم كشك المنافقين، وقال أهل المعاني: أولئك الذين أخلصوا الإيمان لا كمن كان له اسمه على ظاهر الحال وهم عن ذلك بمعزل لما يشوبه من الفساد.
فأما وجه انتصاب قوله (حقًّا) فمذهب الفراء فيه أنه انتصب على معنى أخبركم بذلك حقًا، أي: إخبارًا حقًا، وهذا كما ذكرنا في قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} [النساء: 151] ، فعنده أن هذا نصب من نية الخبر، ومذهب سيبويه وأصحابه أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف دل عليه الكلام، قال المبرد: (حقوا حقًّا) ، ومعنى حقوا حقًا أي: أتوا ما وصفوا به وفعلوه حقًّا صدقًا، من قول العرب: حققته حذره وأحققته أي: فعلت ما كان يحذر، وقال الزجاج: (حقًا) منصوب بمعنى دلت عليه الجملة وهي قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} أي: أحق ذلك حقًّا.