ولا نعمة أوكد ولا أفضل ، ولا أولى بالشكر ، من نعمة الإسلام ، فواجب عليه أن يقول: أنا مؤمن مسلم قطعاً عند الله تعالى في وقتي هذا .
ولا فرق بين قوله أنا مؤمن مسلم ، وبين قوله أنا أسود أو أنا أبيض ، وهكذا سائر صفاته التي لا يشك فيها ، وليس هذا من باب الإمتداح والعجب في شيء ، لأنه فرض عليه أن يحقن دمه بشهادة التوحيد .
وقول ابن مسعود: أنا مؤمن إن شاء الله عندنا صحيح ، لأن الإسلام والإيمان إسمان منقولان عن موضوعهما في اللغة ، إلى جميع البر والطاعات .
فإنما منع ابن مسعود الجزم على معنى أنه مستوف لجميع الطاعات ، وهذا صحيح .
ومن ادعى لنفسه هذا فقد كذب بلا شك ، وما منع أن يقول المرء إني مؤمن بمعنى مصدق .
وأما قول المانعين: من قال أنا مؤمن ، فليقل إنه من أهل الجنة فالجواب: إنا نقول إن متنا على ما نحن عليه الآن ، فلا بد لنا من الجنة بلا شك .
وبرهان ذلك أنه قد صح من نصوص القرآن والسنن والإجماع ، أن من آمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وبكل ما جاء به ، ولم يأت بما هو كفر ، فإنه في الجنة إلا أننا لا ندري ما يفعل بنا في الدنيا ، ولا نأمن مكر الله تعالى ، ولا إضلاله ، ولا كيد الشيطان ؛ ولا ندري ماذا نكسب غداً ، ونعوذ بالله من الخذلان . انتهى كلام ابن حزم رحمه الله .
ولقد أجاد فيما أفاد .
وقوله تعالى: {لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ} أي: منازل ومقامات عاليات في الجنة {وَمَغْفِرَةٌ} أي: تجاوز لسيئاتهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} وهو ما أعد لهم من نعمي الجنة .
تنبيه:
قال الجشمي: تدل الآية على أشياء:
منها: أن الإيمان إسم شرعي لثلاث خصال: القول ، والاعتقاد ، والعمل ، خلاف ما تقوله المرجئة ، لأن الوجل وزيادة التصديق من فعل القلب ، والتدبر والتفكر كذلك ، والصلاة والإنفاق من أعمال الجوارح ، والتوكل يشتمل على فعل القلب والجوارح .
ثم بين في آخره أن من جمع هذه الخصال فهو المؤمن حقاً .