وقوله: (أوثق عرى الإيمان الحب في الله) وقوله: (لا إيمان لمَن لا أمانة له)
يدل على أن بعض الإيمان أوثق وأكمل من بعض , وكذلك ذكر أبو عمر الطلمنكي
إجماع أهل السنة على أن الإيمان قول وعمل ونية. قال الإمام شيخ الإسلام ابن
تيمية قدس الله روحه: لما صنف الفخر الرازي مناقب الإمام الشافعي رضي الله
عنه ذكر قوله في الإيمان: إنه قول باللسان وعقد بالجَنَان وعمل بالأركان كقول
الصحابة والتابعين , وقد ذكر الإمام الشافعي أنه إجماع من الصحابة والتابعين ومن
لقيه. استشكل الرازي قول الإمام الشافعي جدًا لأنه كان انعقد في نفسه شبهة أهل
البدع في الإيمان من الخوارج والمعتزلة والجهمية والكَرَّامية وسائر المرجئة وهو
أن الشيء المركب إذا زال بعض أجزائه لزم زواله كله , لكن هو لم يذكر إلا ظاهر
شبهتهم , قال شيخ الإسلام: والجواب عما ذكره سهل فإنه يسلم له أن الهيئة
الاجتماعية لم تبق مجتمعة كما كانت لكن لا يلزم من زوال بعضها زوال سائر
الأجزاء يعني كبدن الإنسان إذا ذهب من أصبع أو يد أو رجل ونحوه لم يخرج عن
كونه إنسانًا بالاتفاق , وإنما يقال له: إنسان ناقص , والشافعي مع الصحابة
والتابعين وسائر السلف يقولون: إن الذنب يقدح في كمال الإيمان , ولهذا نفى
الشارع الإيمان عن هؤلاء يعني عن الزاني والسارق وشارب الخمر ونحوهم ,
فذلك المجموع الذي هو الإيمان لم يبق مجموعًا مع الذنوب لكن يقولون: بقي
بعضه إما أصله وإما أكثره وإما غير ذلك فيعود الكلام إلى أنه يذهب بعضه ويبقى
بعضه ولهذا كانت المرجئة تنفر من لفظ النقص أعظم من نفورها من لفظ الزيادة
لأنه إذا نقص لزم ذهابه كله عندهم إن كان متبعضًا متعددًا عند من يقول بذلك وهم
الخوارج والمعتزلة , وأما الجهمية فهو واحد عندهم لا يقبل التعدد فيثبتون واحدًا لا
حقيقة له كما قالوا مثل ذلك في وحدانية الرب عز وجل ووحدانية صفاته عند من
أثبتها منهم.
قال شيخ الإسلام روَّح الله روحه: ومن العجب أن الأصل الذي أوقعهم في
هذا اعتقادهم أنه لا يجتمع في الإنسان بعض الإيمان وبعض الكفر أو ما هو إيمان وما
هو كفر , واعتقدوا أن هذا متفق عليه بين المسلمين كما ذكر أبو الحسن الأشعري