أبي حنيفة وأصحابه فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا تسمى إيمانًا قالوا: إنما الإيمان
التصديق والإقرار , ومنهم من زاد المعرفة وذكروا من احتجوا به إلى أن قال:
وأما سائر الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر منهم
مالك بن أنس والليث بن سعد وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد بن
حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلاَّم وداود بن علي والطبري
ومن سلك سبيلهم قالوا: الإيمان قول وعمل؛ قول باللسان وهو الإقرار , واعتقاد
بالقلب وعمل بالجوارح مع الإخلاص بالنية الصادقة , وقالوا: كل ما يطاع الله به
من فريضة ونافلة فهو من الإيمان , والإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي قال:
وأهل الذنوب عندهم مؤمنون غير مستكملي الإيمان من أجل ذنوبهم , وإنما
صاروا ناقصي الإيمان بارتكابهم الكبائر ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم:(لا
يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)الحديث يريد مستكمل الإيمان , ولم يُرد به نفي
جميع الإيمان عن فاعل ذلك بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق
وشارب الخمر إذا صلوا إلى القبلة , وانتحلوا دعوة المسلمين من قراباتهم المؤمنين
الذين ليسوا بتلك الأحوال، ثم قال: وعلى أن الإيمان يزيد وينقص يزيد بالطاعة
وينقص بالمعصية - جماعة أهل الآثار والفقهاء أهل الفتيا في الأمصار , وهذا
مذهب الجماعة من أهل الحديث والحمد لله.
ثم رد على المرجئة وعلى الخوارج والمعتزلة بالموارثة , وبحديث عبادة بن
الصامت: (من أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة) وقال:
الإيمان مراتب بعضها فوق بعض فليس ناقص الإيمان ككامله قال الله تعالى:
إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانا
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (الأنفال: 2) إلى قوله: { .. حَقًّا .. } (الأنفال: 4)
أي هم المؤمنون حقًّا , ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث:
(أكمل المؤمنين إيمانًا .. ) , ومعلوم أن هذا لا يكون أكمل حتى يكون غيره أنقص ,