ذلك زيادة في إيمانه على من لم يحصل له ذلك وإن كان معه إقرار عام وإلزام ,
وكذلك من عرف أسماء الله ومعانيها فآمن بها كان إيمانه أكمل ممن لم يعرف تلك
الأسماء بل آمن بها إيمانًا مجملاً أو عرف بعضها , وكلما ازداد الإنسان معرفة
بأسماء الله تعالى وصفاته وآياته كان إيمانه أكمل.
(الثالث)
أن العلم والتصديق يكون بعضه أقوى من بعض وأثبت وأبعد عن الشك
والريب , وهذا أمر يشهده كل واحد من نفسه كما أن الحس الظاهر بالشيء الواحد
مثل رؤية الناس الهلال وإن اشتركوا فيها فبعضهم تكون رؤيته أتم من بعض ,
وكذلك سماع الصوت وشم الرائحة الواحدة وذوق النوع الواحد من الطعام. فكذلك
معرفة القلب وتصديقه يتفاضل أعظم من ذلك من وجوه متعددة للمعاني التي يؤمن
بها من معاني أسماء الله تعالى وكلامه يتفاضل الناس في معرفتها أعظم من تفاضلهم
في معرفة غيرها.
(الرابع)
أن التصديق المستلزم لعمل القلب أكمل من التصديق الذي لا يستلزم عمله
فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به , وإذا كان شخصان
يعلمان أن الله حق والرسول حق والجنة حق والنار حق وهذا علمه أوجب له محبة
الله وخشيته والرغبة في الجنة والهرب من النار والآخر علمه لم يوجب له ذلك؛
فعلم الأول أكمل , فإن قوة المسبب تدل على قوة السبب , وقد نشأت هذه الأمور
عن العلم فالعلم بالمحبوب يستلزم طلبه , والعلم بالمخوف يستلزم الهرب منه , فإذا
لم يحصل اللازم دل على ضعف الملزوم , ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(ليس الخبر كالمعاينة) فإن موسى عليه السلام لما أخبره ربه أن قومه عبدوا العجل
لم يلقِ الألواح , فلما رآهم قد عبدوه ألقاها , وليس ذلك لشك موسى في خبر الله
لكن المخبَر وإن جزم بصدق المخبِر فقد لا يتصور المخبَر به في نفسه كما يتصوره
إذا عاينه , بل قد يكون قلبه مشغولاً عن تصور المخبر به وإن كان مصدقًا به ,
ومعلوم أنه عند المعاينة يحصل له من تصور المخبر ما لم يكن عند الخبر فهذا
التصديق أكمل من ذلك التصديق.
(الخامس)
أن أعمال القلوب مثل محبة الله ورسوله وخشية الله تعالى ورجائه ونحو ذلك