فقد بان أن ما كان اعتقاد حكم العبادة فيه إيماناً فلا يخلو فعله وأداؤه مع الإخلاص من أن يكون إيماناً، والله أعلم.
فإن قيل: إن الاعتقاد الذي هو أول جزء من أجزاء الإيمان يتقدمه العلم بوجوبه، ويتقدم ذلك العلم الاستدلال المؤدي إليه إلى علم التوحيد، ثم اعتقاد وجوب ما ظهر بالدليل، وعقد القلب عليه دون التغافل عنه، إيمان؟
قيل: هذا يختلف! فإن كان رجل سمع التوحيد والنبوة فقبلهما واعتقدهما واعترف بهما تصديقاً لمن أخبره بهما، ثم أراد أن يعلم ذلك بالدليل.
واستدل غير شاك عند استدلاله، في أن ما اعتقد حق، وأن صحته إن لم تظهر له باستدلاله.
فلتقصيره وأخطائه جهته، كان هذا الاستدلال منه إيماناً.
وإذا ظهر له نية مطلوبة، واعتقد أن الاستسلام لما قال الدليل عليه واجب، وأن إغفاله وتضييقه حرام، كان هذا الاعتقاد إيماناً منه.
فأما إن كان رجل خطر بقلبه النظر في حال العالم فلم يعتقد فيه شيئاً حتى استدل فكان عنده أن الاستدلال قد يؤدي إلى حدث العالم، وقد يؤدي إلى قدمه.
لم يكن هذا الاستدلال منه إيماناً بعد أن كانت حقيقة الإيمان ما ثبت في صدر هذا الكتاب وبالله التوفيق.
ووجه آخر: وهو أن الاستكبار على الله - عز وجل - بترك الطاعة له فيما أقر به كفر، فدل على أن الاستجداء له بالطاعة إنما يدل على ذلك أن الاستكبار على الله تبارك وتعالى الإقرار به لما كان كفراً كان الإذعان له بالإقرار بربوبيته ووحدانيته إيماناً.
فكان كل طاعة في هذا مثله.
ووجه آخر: وهو أن الله - عز وجل - قال: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} .
فلا يخلو قوله - عز وجل - هذا من أحد معنيين:
إما أن يكون المراد به فزادتهم ثقة بنبوة النبي - صلى الله عليه وسلّم - لما فيها من إطلاعه على أسرار المنافقين، إذ كان لا يمكن أن يكون وقف عليها إلا من قبل الوحي.
أو يكون المراد، أيكم رغبته هذه السورة في جهاد المشركين، ودعته إلى بذل النفس والمال فيه.
فإن كان المراد هو الأول، فقد بان أن أحداث تصديق النبي - صلى الله عليه وسلّم - بامتثال أمر من أوامره، وإقام عبادة لله على حدة هو الذي دعا إليها ونبه عليها زيادة إيمان.
وإن كان المراد هو الثاني فقد ثبت أن الجهاد إيمان، فوجب على قياسه أن تكون كل عبادة إيماناً.