(فَكل شَيْء رَآهُ ظَنّه قدحا ... وكل شخص رَآهُ ظَنّه الساقي)
فَلَمَّا دارت فِي دَائِرَة دَار الْحبّ كؤوس للقرب وَسمع النداء وسط النادي بِلَا وَاسِطَة وسيط لَهُ من وسيط أقداح المنى فِي الْمُنَاجَاة بِلَا وسيط طَابَ لَهُ شراب الْوِصَال من أوطاب الْخطاب فِي أواني سَماع الْكَلَام فناداه توق شوقه
(أَوَان أَنْت فِي هَذَا الأوان ... عَن الراح المروق فِي الْأَوَانِي)
رأى على الْغَوْر وميضا فاشتاق مَا أجلب الْبَرْق لدمع الأماق فصاح لِسَان الوجد {أَرِنِي} فَرد شارد شحذان الشوق على الطوى بطوق {لن تراني} إِلَّا أَن جزع الْفِطَام سكن شعلة بتعلة {وَلَكِن} فَلَمَّا تجلى جلّ جَلَاله للجبل مر فَخر مُوسَى فِي بَحر الصَّعق فرقا فرقي فرقه ذرْوَة
{سُبْحَانَكَ تبت إِلَيْك} مَا انبسط مُوسَى بقول أَرِنِي إِلَّا ببسط سلني وَلَو ملح عجينك وَلَو تَركه مَعَ رعيه الْغنم فِي شعب شُعَيْب لما جال فِي ظَنّه ذَلِك الطمع وَلكنه استدعاه بالنداء وأنسه بالتقريب وباسطه بالتكليم
(فَلَمَّا عاين الْحيرَة ... حادى جملي حارا)
كَانَ مُوسَى يطوف فِي بني إسرائيل وَيَقُول من يحملني رِسَالَة إِلَى رَبِّي مَا كَانَ مُرَاده إِلَّا أَن يطول الحَدِيث مَعَ الحبيب
(فَقلت لَهُ رد الحَدِيث الَّذِي انْقَضى ... وذكراك من ذَاك الحَدِيث أُرِيد)
(يحدد تذكار الحَدِيث مودتي ... فذكرك عِنْدِي والْحَدِيث جَدِيد)
(أناشده أَلا أعَاد حَدِيثه ... كَأَنِّي بطئ الْفَهم حِين يُعِيد)
مَاتَ مُوسَى قَتِيل شوق {أَرِنِي} فَلَمَّا جَازَ عَلَيْهِ نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة الْمِعْرَاج ردده فِي الصَّلَوَات ليسعد بِرُؤْيَة من قد رأى
(وَإِنِّي لآتي أَرْضكُم لَا لحَاجَة ... لعَلي أَرَاكُم أَو أرى من يراكم)
(أَن تشق عَيْني فطالما سعدت ... عين رَسُولي وفاز بِالنّظرِ)
(وَكلما جَاءَنِي الرَّسُول لَهُم ... رددت شوقا فِي طرفه نَظَرِي)
(تظهر فِي طرفه محاسنهم ... قد أثرت فِيهِ أحسن الْأَثر)
(خُذ مقلتي يَا رَسُول عَارِية ... فَانْظُر بهَا واحتكم على بَصرِي) انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...