وأما العقل العملي فقد عرفت أن أحكام هذا العقل جارية في أفعاله تعالى التشريعية غير أنه تعالى إنما شرع ما شرع واعتبر ما اعتبر لا لحاجة منه إليه بل ليتفضل به على الإنسان مثلا وهو ذو الفضل العظيم فيرتفع به حاجة الإنسان فله سبحانه في تشريعه غرض لكنه قائم بالإنسان الذي قامت به الحاجة لا به تعالى، ولتشريعاته مصالح مقتضية لكن المنتفع بها هو الإنسان دونه كما تقدم.
وإذا كان كذلك كان للعقل أن يبحث في أطراف ما شرعه من الأحكام ويطلب الحصول على الحسن والقبح والمصلحة والمفسدة فيها لكن لا لأن يحكم عليه فيأمره وينهاه ويوجب ويحرم عليه كما يفعل ذلك بالإنسان إذ لا حاجة له تعالى إلى كمال مرجو حتى يتوجه إليه حكم موصل إليه بخلاف الإنسان بل لأنه تعالى شرع الشرائع وسن السنن ثم عاملنا معاملة العزيز المقتدر الذي نقوم له بالعبودية وترجع إليه حياتنا ومماتنا ورزقنا وتدبير أمورنا ودساتير أعمالنا وحساب أفعالنا والجزاء على حسناتنا وسيئاتنا فلا يوجه إلينا حكما إلا بحجة، ولا يقبل منا معذرة إلا بحجة، ولا يجزينا جزاء إلا بحجة كما قال:"لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل"النساء: 165، وقال:"ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينه"الأنفال: 42 إلى غير ذلك من احتجاجاته يوم القيامة على الإنس والجن.
ولازم ذلك أن يجري في أفعاله تعالى في نظر العقل العملي ما يجري في أفعال غيره بحسب السنن التي سنها.
وعلى ذلك جرى كلامه سبحانه قال:"إن الله لا يظلم الناس شيئا"يونس: 44، وقال:"إن الله لا يخلف الميعاد"آل عمران: 9، وقال:"وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين"الدخان: 38، وفي هذا المعنى الآيات الكثير التي نفى فيها عن نفسه الرذائل الاجتماعية.