قَالَ الْمَازِرِيّ: كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَاطِب الْعَرَب بِمَا تَفْهَم وَيُخْرِج لَهُمْ الْأَشْيَاء الْمَعْنَوِيَّة إِلَى الْحِسّ لِيُقَرِّبَ تَنَاوُلهمْ لَهَا، فَعَبَّرَ عَنْ زَوَال الْمَوَانِع وَرَفْعه عَنْ الْأَبْصَار بِذَلِكَ، وَقَالَ عِيَاض: كَانَتْ الْعَرَب تَسْتَعْمِل الِاسْتِعَارَة كَثِيرًا، وَهُوَ أَرْفَع أَدَوَات بَدِيع فَصَاحَتهَا وَإِيجَازهَا، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى (جَنَاح الذُّلّ) فَمُخَاطَبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ بِرِدَاءِ الْكِبْرِيَاء عَلَى وَجْهه وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَمَنْ لَمْ يَفْهَم ذَلِكَ تَاهَ فَمَنْ أَجْرَى الْكَلَام عَلَى ظَاهِره أَفْضَى بِهِ الْأَمْر إِلَى التَّجْسِيم وَمَنْ لَمْ يَتَّضِح لَهُ وَعَلِمَ أَنَّ اللَّه مُنَزَّهٌ عَنْ الَّذِي يَقْتَضِيه ظَاهِرهَا إِمَّا أَنْ يُكَذِّب نَقَلَتهَا وَإِمَّا أَنْ يُؤَوِّلهَا كَأَنْ يَقُول اِسْتَعَارَ لِعَظِيمِ سُلْطَان اللَّه وَكِبْرِيَائِهِ وَعَظَمَته وَهَيْبَته وَجَلَاله الْمَانِع إِدْرَاك أَبْصَار الْبَشَر مَعَ ضَعْفهَا لِذَلِكَ رِدَاء الْكِبْرِيَاء، فَإِذَا شَاءَ تَقْوِيَة أَبْصَارهمْ وَقُلُوبهمْ كَشَفَ عَنْهُمْ حِجَاب هَيْبَته وَمَوَانِع عَظَمَته اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ قَوْله"عَلَى وَجْهه": حَال مِنْ رِدَاء الْكِبْرِيَاء، وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْمُتَشَابِهَات فَإِمَّا مُفَوَّض وَإِمَّا مُتَأَوَّل بِأَنَّ الْمُرَاد بِالْوَجْهِ الذَّات، وَالرِّدَاء صِفَة مِنْ صِفَة الذَّات اللَّازِمَة الْمُنَزَّهَة عَمَّا يُشْبِه الْمَخْلُوقَات، ثُمَّ اِسْتَشْكَلَ ظَاهِره بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ رُؤْيَة اللَّه غَيْر وَاقِعَة، وَأَجَابَ بِأَنَّ مَفْهُومه بَيَان قُرْب النَّظَر