وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: هُمَا قِرَاءَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَئِمَّةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، مُتَقَارِبٌ مَعْنَاهُمَا، وَذَلِكَ أَنَّ مَنَ رُفِعَتْ دَرَجَتُهُ فَقَدْ رُفِعَ فِي الدَّرَجِ، وَمَنْ رُفِعَ فِي الدَّرَجِ فَقَدْ رُفِعَتْ دَرَجَتُهُ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ. الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ. فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذَنْ: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ فَرَفَعْنَا بِهَا دَرَجَتَهُ عَلَيْهِمْ، وَشَرَّفْنَاهُ بِهَا عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَآتَيْنَاهُ فِيهَا أَجْرَهُ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ مِنَ الصَّالِحِينَ، {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} أَيْ بِمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: إِنَّ رَبَّكَ يَا مُحَمَّدُ حَكِيمٌ فِي سِيَاسَتِهِ خَلْقَهُ، وَتَلْقِينَهُ أَنْبِيَاءَهُ الْحُجَجَ عَلَى أُمَمِهِمُ الْمُكَذِّبَةِ لَهُمُ الْجَاحِدَةِ تَوْحِيدَ رَبِّهِمْ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَدْبِيرِهِ، عَلِيمٌ بِمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْرُ رُسُلِهِ وَالْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ مِنْ ثَبَاتِ الْأُمَمِ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُمْ، وَهَلَاكِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَابَتِهِمْ وَتَوْبَتِهِمْ مِنْهُ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ وَالرُّجُوعِ إِلَى طَاعَتِهِ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَأَسَّ يَا مُحَمَّدُ فِي نَفْسِكَ وَقَوْمِكَ الْمُكَذِّبِيكَ وَالْمُشْرِكِينَ بِأَبِيكَ خَلِيلِي إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَنُوبُكَ مِنْهُمْ صَبْرَهُ، فَإِنِّي بِالَّذِي يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْرُكَ وَأَمْرُهُمْ عَالِمُ التَّدْبِيرِ، فِيكَ وَفِيهِمْ حَكِيمٌ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 9/}