قَالُوا: فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: أَفَلَا أَمْنَ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَعْصِ اللَّهَ فِي صَغِيرَةٍ وَلَا كَبِيرَةٍ، وَإِلَّا لِمَنْ لَقِيَ اللَّهَ وَلَا ذَنْبَ لَهُ؟ قُلْنَا: إِنَّ اللَّهَ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَةِ خَاصًّا مِنْ خَلْقِهِ دُونَ الْجَمِيعِ مِنْهُمْ، وَالَّذِي عَنَى بِهَا وَأَرَادَهُ بِهَا خَلِيلُهُ إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّا غَيْرُهُ فَإِنَّهُ إِذَا لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا فَهُوَ فِي مَشِيئَتِهِ إِذَا كَانَ قَدْ أَتَى بَعْضَ مَعَاصِيهِ الَّتِي لَا تَبْلُغُ أَنْ تَكُونَ كُفْرًا، فَإِنْ شَاءَ لَمْ يُؤْمِنْهُ مِنْ عَذَابِهِ، وَإِنْ شَاءَ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ فَعَفَا عَنْهُ.
قَالُوا: وَذَلِكَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وَإِنْ كَانُوا مُخْتَلِفِينَ فِي الْمَعْنِيِّ بِالْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِهَا إِبْرَاهِيمَ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِهَا الْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ذِكْرُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِهَذِهِ الْآيَةَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصِّحَّةِ فِي ذَلِكَ، مَا صَحَّ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ الْخَبَرُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «الظُّلْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هُوَ الشِّرْكُ»
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَخْلِطُوا إِيمَانَهُمْ بِشِرْكٍ، لَهُمُ الْأَمْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، {وَهُمْ مُهْتَدُونَ}
يَقُولُ: وَهُمُ الْمُصِيبُونَ سَبِيلَ الرَّشَادِ، وَالسَّالِكُونَ طَرِيقَ النَّجَاةِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) }