وَقَالَ آخَرُونَ: هَذَا جَوَابٌ مِنْ قَوْمِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِبْرَاهِيمَ حِينَ قَالَ لَهُمْ: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ؟ فَقَالُوا لَهُ: الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ فَوَحَّدُوهُ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِذَا لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ.
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ أَوْلَى الْفَرِيقَيْنِ بِالْأَمْنِ، وَفَصْلُ قَضَاءٍ مِنْهُ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ قَوْمِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مِنْ قَوْلِ قَوْمِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ وَيُشْرِكُونَهَا فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، لَكَانُوا قَدْ أَقَرُّوا بِالتَّوْحِيدِ وَاتَّبَعُوا إِبْرَاهِيمَ عَلَى مَا كَانُوا يُخَالِفُونَهُ فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَلَكِنَّهُ كَمَا ذَكَرْتُ مِنْ تَأْوِيلِهِ بَدْءًا.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي عَنَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِشِرْكٍ.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا} إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَلَا تَرَوْنَ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ؟"
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَمْ يَخْلِطُوا إِيمَانَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ مَعَانِي الظُّلْمِ. وَذَلِكَ فِعْلُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْ فِعْلِهِ، أَوْ تَرْكُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِفِعْلِهِ، وَقَالُوا: الْآيَةُ عَلَى الْعُمُومِ، لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخُصَّ بِهِ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الظُّلْمِ.