وليت شعرى كيف خفى عليه أن إبراهيم عليه السلام لما سأل ربه الولد عند مهاجرته إلى الشام وعنده سارة ولا خبر عن هاجر يومئذ سأل ذلك بقوله: (رب هب لي من الصالحين) فسأل ربه الولد ، ولم يسأل أن يرزقه ذلك من سارة حتى تحمل البشارة المذكورة عقيبه على البشارة بإسحاق فإنما قال: (رب هب لي) ولم يقل: رب هب لي من سارة .
وأما ما ذكره أن المعروف من سائر مواضع كتاب الله هو البشرى بإسحاق فيجب
أن نحمل البشرى في هذا الموضع عليه أيضا .
فمع ما سيجئ من الكلام عليه في سائر الموارد التي أشار إليها هو في نفسه قياس لا دليل عليه بل الدليل على خلافه فإن الله سبحانه في هذه الآيات لما ذكر البشارة بغلام حليم ثم ذكر قصة الذبح استأنف ثانيا ذكر البشارة بإسحاق ولا يرتاب المتدبر في هذا السياق أن المبشر به ثانيا غير المبشر به أولا فقد بشر إبراهيم عليه السلام قبل إسحاق بولد له آخر وليس إلا إسماعيل ، وقد اتفق الرواة والنقلة وأهل التاريخ أن إسماعيل ولد لإبراهيم قبل إسحاق عليهم السلام جميعا .
ومن ذلك التدافع البين فيما تذكره التوراة من أمر إسماعيل فإنها تصرح أن إسماعيل ولد لإبراهيم عليهم السلام قبل أن يولد له إسحاق بما يقرب من أربعة عشر عاما وان إبراهيم عليه السلام طرده وامه هاجر بعد تولد إسحاق لما استهزأ بسارة ثم تسرد قصة إسكانهما الوادي ونفاد الماء الذي حملته هاجر وعطش إسماعيل ثم إراءة الملك إياها الماء ، ولا يرتاب الناظر المتدبر في القصة ان إسماعيل كان عندئذ صبيا مرضعا فعليك بالرجوع إليها والتأمل فيها ، وهذا هو الذي يوافق المأثور من أخبارنا .