قوله: (لا يحل القتال بمكة) وهو قول بعض الفقهاء وهو الذي يدل عليه ظاهر الكتاب ، فقد قال تعالى: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم} وهذا صريح في حرمة بداية القتال بمكة ، وإن كان أهلها مشركين إذ الآية نزلت فيهم. وكذا يدل على هذا القول الأحاديث الصريحة الصحيحة فإنها صريحة في أن حل القتال فيها ابتداء كان مخصوصًا به صلى الله تعالى عليه وسلم مع أنه قاتل المشركين المستحقين للقتال والقتل بصدهم عن المسجد الحرام وإخراجهم أهله منه وكفرهم ، فلو جوّز ابتداء قال المشركين لغيره لما كان لهذا الخصوص معنى ، ونقل الحافظ ابن حجر وغيره عن كثير من محققي الشافعية والمالكية القول بعدم الحل وهو الذي اختاره المصنف ، وذكر كثير منهم للحديث تأويلات بعيدة بل فاسدة قطعًا قد تعرض الحافظ لفساد بعضها فراجعه إن شئت قال الحافظ: زعم الطحاوي أن المراد بقوله إنها لم تحلّ لي إلا ساعة جواز دخولها له بلا إحرام لا تحريم القتال والقتل لأنهم أجمعوا على أن المشركين لو غلبوا ، والعياد بالله على مكة حل للمسلمين قتالهم وقتلهم فيها ، وقد عكس استدلاله النووي فقال في الحديث دلالة على أن مكة تبقى دار إسلام إلى يوم القيامة ، فبطل ما صوره الطحاوي ، وفي دعواه الإجماع نظر ، فإن الخلاف ثابت كما تقدم. اهـ.
رقم الجزء: 1 رقم الصفحة: 601
والحاصل أن الأحاديث صريحة في اختصاص هذه البقعة بحرمة القتال ابتداء ، وإن حل القتال فيها مع استحقاق أهلها للقتال كان مخصوصًا به ساعة من نهار ، فلو جوزنا القتال فيها لكل أحد عند استحقاق أهلها القتال لم يبق للاختصاص معنى أصلًا ، والتأويلات التي ذكروا بخلاف هذا مخالفة للأحاديث بل للقرآن والله تعالى أعلم.