سلمهم فقف ها هنا فلا تبرح حتى لا يبقى ها هنا أحد وانصرف الأفشين وكان من سنته إذا بدأ بالانصراف ينحدر عن الكراديس وفرسانه ورجالته والكردوس الآخر واقف بينه وبينه قدر رمية سهم لا يدنو من العقبة ولا من المضيق حتى يرى أنه قد عبر كل من في الكردوس الذي بين يديه وخلابه الطريق ثم يدنو بعد ذلك فينحدر في الكردوس الآخر بفرسانه ورجالته ولا يزال كذلك وقد عرف كل كردوس من خلف من ينصرف فلم يكن يتقدم أحد منهم بين يدي صاحبه ولا يتأخر هكذا حتى إذا نفذت الكراديس كلها ولم يبق أحد غير بخاراخذاه انحدر بخاراخذاه وخلى العقبة فانصرف ذلك اليوم على هذه الهيئة وكان أبو سعيد آخر من انصرف وكلما مر العسكر بموضع بخاراخذاه ونظروا إلى الموضع الذي كان فيه الكمين علموا ما كان وطىء لهم وتفرق أولئك الأعلاج الذين أرادوا أخذ الموضع الذي كان بخاراخذه يحفظه ورجعوا إلى مواضعهم فأقام الأفشين في خندقه بروذ الروذ أياما فشكا إليه المطوعة الضيق في العلوفة والأزواد والنفقات فقال لهم من صبر منكم فليصبر ومن لم يصبر فالطريق واسع فلينصرف بسلام معي جند أمير المؤمنين ومن هو في أرزاقه يقيمون معي في الحر والبرد ولست أبرح من ها هنا حتى يسقط الثلج فانصرف المطوعة وهم يقولون لو ترك الأفشين جعفرا وتركنا لأخذنا البذ هذا لا يشتهي إلا المماطلة فبلغه ذلك وما كثر المطوعة فيه ويتنالونه بألسنتهم وأنه لا يحب المناجزة وإنما يريد التطويل حتى قال بعضهم إنه رأى في المنام أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال له قل للأفشين إن أنت حاربت هذا الرجل وجددت في أمره وإلا أمرت الجبال أن ترجمك بالحجارة فتحدث الناس بذلك في العسكر علانية كأنه مستور فبعث الأفشين إلى رؤساء المطوعة فأحضرهم وقال لهم أحب أن تروني هذا الرجل فإن الناس يرون في المنام أبوابا فأتوه بالرجل في جماعة من الناس فسلم عليه فقربه وأدناه وقال له قص علي رؤياك لا تحتشم ولا تستحي فإنما تؤدي قال رأيت كذا ورأيت كذا فقال الله يعلم كل شيء قبل كل أحد وما أريد بهذا الخلق إن الله تبارك وتعالى لو أراد أن يأمر الجبال أن ترجم أحدا لرجم الكافر وكفانا مؤنته كيف يرجمني حتى أكفيه مؤنة الكافر كان يرجمه ولا يحتاج ان أقاتله أنا وأنا أعلم أن الله عز و جل لا يخفى عليه خافية فهو مطلع على قلبي وما أريد بكم يا مساكين فقال رجل من المطوعة من اهل الدين يا أيها الأمير لا تحرمنا شهادة إن كانت قد حضرت وإنما قصدنا وطلبنا ثواب الله ووجهه فدعنا وحدنا حتى نتقدم بعد أن يكون بإذنك فلعل الله أن يفتح علينا فقال الأفشين إني أرى نياتكم حاضرة وأحسب هذا الأمر يريده الله وهو خير إن شاء الله وقد نشطتم ونشط الناس والله أعلم ما كان هذا رأيي وقد حدث الساعة لما سمعت من كلامكم وأرجو أن يكون أراد هذا الأمر وهو خير اعزموا على بركة الله أي يوم أحببتم حتى نناهصهم ولا حول ولا قوة إلا بالله فخرج القوم مستبشرين فبشروا أصحابهم فمن كان أراد أن ينصرف أقام ومن كان في القرب وقد خرج مسيرة أيام فسمع بذلك رجع ووعد الناس ليوم وأمر الجند والفرسان والرجالة وجميع الناس بالأهبة وأظهر أنه يريد الحرب لا محالة وخرج الأفشين وحمل المال والزاد ولم يبق في العسكر بغل الا وضع عليه محمل للجرحى واخرج معه المتطببين وحمل الكعك والسويق وغير ذلك وجميع ما يحتاج اليه وزحف الناس حتى صعد الى البذ وخلف بخاراخذاه في موضعه الذي كان يخلفه عليه على العقبة ثم طرح النطع ووضع له الكرسي وجلس عليه كما كان يفعل وقال لأبي دلف قل للمطوعة أي ناحية هي أسهل عليكم فاقتصروا عليها وقال لجعفر العسكر كله بين يديك والناشبة والنفاطون فإن أردت رجالا دفعتهم إليك فخذ حاجتك وما تريد واعزم