وفي حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول - صلى الله عليه وسلم:"أَنَا الشَّاهِدُ عَلَى الله أَلا يَعثُرَ عَاقِلٌ إلا رَفَعَهُ، ثُمَّ لا يَعثُرَ إِلا رَفَعَهُ، ثُمَّ لا يَعثُرَ إِلا رَفَعَهُ، حَتَّى يَجْعَلَ مَصِيرَهُ إِلى الجَنَةِ". رواه ابن أبي الدنيا في كتاب"العقل"، والطبراني في"الأوسط".
ثم إن لأولي الألباب مزية ظاهرة في فهم كلام الله تعالى، وآياته، ومطالعة حكمه منه بريَّاتِه، ولقد أثنى الله تعالى عليهم بذلك، فقال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [سورة العنكبوت: 43] ، فحصر فهم آياته وأمثاله في أهل العلم، وهم أولو الألباب كما علمت.
قال عمرو بن مرة - رضي الله عنه: ما مررت بآية في كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنتني؛ لأني سمعت الله تعالى يقول: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} . رواه ابن أبي حاتم.
وعندي: أن المراد بالأمثال: كل مخلوق خلقه الله تعالى للعقل في
مطالعته ومطالعة الحكمة التي لأجلها خُلِق مجالٌ، والقرآن العظيم لم يدع شيئًا مما هذا سَمْتُهُ إلا وقد وقعت فيه الإشارة إليه بوجه ما، وإن من أبعد الأمثال عن الأفهام - إلا فهم أولي الألباب - أن الله تعالى شرع القصاص، وهو إتلاف لعضو، أو إزهاق لروح لأجل وقاية الأعضاء، وحياة الأرواح؛ إذ يعلم العادي أنه يُقَاصَصَ فيكف، فلذلك قال الله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة البقرة: 179] ؛ أي: تتقون الحياة بوقاية أنفسكم عنها، أو بمنع غيركم منها.
وقال سفيان بن عيينة في قوله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} ؛ قال: بقية؛ تناهي بعضكم عن بعض. رواه ابن جرير.
ومن ألطف ما اتفق: ما رواه عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن أبي الجوزاء أنه قرأ: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} ، وقال: القصاص القرآن.
والأولى حمل القصاص على قصص] القرآن، وما يوافقه من مواعظ الأنبياء، ونصائح الأولياء على سبيل القص عن المتقدمين.