وأيضاً فإن السماء جسم واحد وكل جزء منه محدود متناهي، فدل ذلك على أن جميعها محدود متناهي.
فإن قال قائل: ما أنكرت أنها على ما هي عليه من الأجزاء المجتمعة ولا غاية لها ولا نهاية!
قيل له: قد ثبت أن كل جزء منها متناه، فبطل بذلك أن يكون لها جميع، لأنه إذا كان كل جزء منها متناهياً، فبطل بذلك أن يكون لها جميع! لأنه إذا كان كل جزء منها متناهياً ثبت أنه ليس موجوداً بذاته لا لسبب لكن وجوده عند فاعل، وإذا ثبت ذلك لم يخل الفاعل أن يكون قد يقل السماع وفرع منها، أو يكون لم يفعلها ولم يفرع منها، فإن كان قد فعلها وفرع منها، فقد ثبت أن الأجزاء جميعاً وكلا، وفي ذلك ثبوت الابتداء والانتهاء.
وإن كان لم يفرغ منها والموجود يومنا إذا نقص السماء لأكلها، وليس هذا قول أحد على أنه: إن كان لم يفرغ فمن ذلك لم يكن متناهياً، كما قد خرج إلى الوجود منها متناهي ولا ضير مما لم يخرج إلى الوجود لأن اتباع الفعل لا يبطل ثبوت الابتداء، ولا إنكار وجود الانتهاء، ولأن كل جزء من السماء إذا كان متناهياً، وكان هذا وصفاً لا يشذ عنه جزء، ولم يبق منهما ما يوصف بعدم التناهي إليه، لأنه لا يبقى، وأقوالنا كل جزء شيء لآخر، فيرجع الوصف بعد التناهي إليه، فصح بإطلاق القول: إن السماء متناهية.
وفي ثبوت التناهي أن يكون وجودها لذاتها لا لسبب.
فصح أن وجودها لموجود أوجدها، وليس ذلك إلا الله القديم جل ثناؤه.
فإن قال: إنكم إن كنتم وجدتم السماء متناهية، فإنما وجدتموها متناهية إلى جسم فاقضوا بذلك على أن الجهة التي لا تليكم منها متناهية إلى شيء آخر، فتكون ذوات الموجودات غير متناهية، وكل نوع منها متناهي الخواص الثابتة له، لهذا لا يوجب الحدث!
فالجواب: أن الموجودات إذا كانت على أنواعها، وكل نوع منها متناهياً في خواص ثابتة له، فقد وجب أن تكون الأنواع كلها متناهية في الخواص الثابتة لجميعها.
وإذا كانت لا تنفك عن تلك الخواص، وقد وجب أن تكون متناهية في حكمها، فليس وراء ذلك إلا أن تكون متناهية في أنفسها.
ويقال له: إن كان ما عارضتنا به لازماً؟ فقل: إن الذي تنتهي إليه أجسام العالم بما تسميه خلاء لما كان متناهياً إلى أجسام، وجب أن يكون وله وراء ذلك تناهي إلى أجسام وأنت لا تقول، بل تقول أن الخلاء لا نهاية له، فبطلت بذلك معارضتك.