إنما نهى عن الحزن على ما فات؛ لأن ذلك مما يفقد الإنسان شيئًا من عزيمته، وبالعكس صلته بما يحب من مالٍ أو متاع أو صديقٍ تكسبه قوة، وتوجد في نفسه سرورًا. والمراد بالنهي عن مثل ذلك معالجة النفس بالعمل ولو تكلفًا.
وخلاصة ذلك الأمر: بأخذ الأهبة وإعداد العدة، مع العزيمة الصادقة، والحزم والتوكل على الله حتى يظفروا بما طلبوا، ويستعيضوا مما خسروا.
وفي قوله: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} تبشيرٌ لهم بما يقع لهم في المستقبل من النصر، فإن من اخترق الإيمان الصحيح فؤاده، وتمكن من سويداء قلبه يكون على يقينٍ من العاقبة بعد مراعاة السنن والأسباب المطردة للظفر والفلاح
140 - {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} ؛ أي: إن أصابكم أيها المؤمنون جرح في يوم أحد {فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ} ؛ أي: فقد أصاب كفار مكة يوم بدر {قَرْحٌ مِثْلُهُ} ، أي: جرح ماثلٌ لما أصابكم في يوم أحد، بل هو أعظم مما أصابكم؛ لأنه أسر منهم سبعون، وقتل سبعون والمسلمون في أحدٍ قتل منهم سبعون، وأسر عشرون، ومع ذلك فلم يضعف ذلك قلوبهم، فأنتم أحق بأن لا تضعافوا.
وقيل: إن المعنى إن نالكم يوم أحد قرحٌ وانهزامٌ .. فقد نال كفار مكة في ذلك اليوم، أعني يوم، أحد قرحٌ مماثلٌ لما نالكم، فإن المسلمين نالوا من الكفار قبل أن يخالفوا أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتلوا منهم نيفًا وعشرين رجلًا، منهم صاحب لوائهم، وجرحوا عددًا كثيرًا، وعقروا عامة خيلهم بالنبل، وقد كانت الهزيمة عليهم أول النهار.
والخلاصة: أنه لا يسوغ لكم التقاعد عن الجهاد، وليس لكم العذر فيه؛ لأجل أن مسكم قرحٌ، فإن أعداءكم قد مسهم مثله قبلكم وهم على باطلهم لم يفتروا في الحرب، ولم يهنوا فأنتم أجدر بصدق العزيمة لمعرفتكم بحسن العاقبة وتمسككم بالحق.