وَإِنَّمَا جَمَعَ لَهُمْ بَيْنَ ثَوَابِ الدُّنْيَا وَحُسْنِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ; لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِعَمَلِهِمْ سَعَادَةَ الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا الْجَزَاءُ عَلَى حُسْنِ الْإِرَادَةِ، وَهَذَا هُوَ شَأْنُ الْمُؤْمِنِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا (ص 138) وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَىُ الْغَالِينَ فِي الزُّهْدِ، وَخَصَّ ثَوَابَ الْآخِرَةِ بِالْحُسْنِ لِلْإِيذَانِ بِفَضْلِهِ وَمَزِيَّتِهِ وَأَنَّهُ الْمُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، كَذَا قَالُوا. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: ثَوَابُ هَؤُلَاءِ حَسَنٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَكِنْ ذِكْرُ الْحُسْنِ فِي ثَوَابِ الْآخِرَةِ مَزِيدٌ فِي تَعْظِيمِ أَمْرِهِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ ثَوَابٌ لَا يَشُوبُهُ أَذًى،؟ فَلَيْسَ مِثْلَ ثَوَابِ الدُّنْيَا عُرْضَةً لِلشَّوَائِبِ وَالْمُنَغِّصَاتِ، وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى مَا أَثْبَتَتْهُ الْآيَةُ بِمِثْلِ وَقْعَتَيِ الرَّجِيعِ وَبِئْرِ مَعُونَةَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ مَنْ قُتِلُوا هُنَالِكَ لَمْ يُؤْتَوْا ثَوَابَ الدُّنْيَا ; فَإِنَّ إِيثَارَ ثَوَابِ الدُّنْيَا
مَشْرُوطٌ بِاتِّبَاعِ السُّنَنِ وَالْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ، وَفِي وَقْعَةِ الرَّجِيعِ
قَدِ اخْتَلَفُوا فِي النُّزُولِ عَلَى حُكْمِ الْمُشْرِكِينَ، فَكَانَ ذَلِكَ تَقْصِيرًا مِنْهُمْ، وَفِي وَقْعَةِ بِئْرِ مَعُونَةَ قَدْ قَصَّرُوا فِي الِاحْتِيَاطِ إِذْ أَمِنُوا لِمَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُؤْمَنَ لَهُمْ، فَكَانَ ذَلِكَ جَزَاءَ التَّقْصِيرِ وَمَوْعِظَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لِيَكُونُوا دَائِمًا حَذِرِينَ مُحْتَاطِينَ غَيْرَ مُقَصِّرِينَ وَلَا مُسْرِفِينَ.