الثاني: أن تستحكم فيه تلك الصفة لحد يجعله يؤثر في غيره، ويطبعه بطابع نفسه.
فالثلج مثلاً كماله الأول ببرودته في ذاته، وكماله الثاني أن يبرد غيره.
والنار كمالها الأول بشدة حرارتها في ذاتها، وكمالها الثاني بإحراق غيرها.
فكذلك الكمال الأول للرجل الصالح أن يبلغ قمة الصلاح في حد ذاته، وكماله الثاني أن يكون مصلحاً لغيره بتأثيره فيه.
فالمؤمن إذا كان راسخاً في إيمانه كاملاً في طاعته للحق فهو على الكمال الأول من حيث اتصافه بصفة الإيمان.
فإذا قويت فيه تلك الصفة واستحكمت لدرجة أنه بدأ يدعو غيره إلى الحق،
ويهيب به إلى اتباعه، والسير في طاعة الله من خلال سلوكه المثالي وأخلاقه الكريمة، فإنه يرقى إلى الكمال الثاني بإصلاح غيره.
فللإيمان كمالان:
أولهما: أن يكون المؤمن في حد ذاته متقياً لله، خاشعاً له، مطيعاً لأحكامه وأوامره إلى آخر أنفاس حياته، معتصماً بحبله المتين بكل ما له من قوة كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) } [آل عمران: 102] .
الثاني: أن يكون المؤمن داعياً إلى الخير، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، كما قال سبحانه: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) } [آل عمران: 104] .
وهذا النوع من الكمال على مراتب متفاوتة:
فالشمعة والمصباح، والقمر والشمس، كل هذه أدوات تنوير وإضاءة، فالشمعة لا تنير إلا حجرة صغيرة، بينما المصباح ينير بيتاً كبيراً، ويضيء القمر والأرض وما حولها، وتضيء الشمس عالماً كبيراً.
وكذلك المؤمن إذا جعل قلب غيره يستنير بنور الإيمان، فإنه يدخل في مرتبة الكمال الثاني، ولكن لا يكون ذلك إلا أدنى مراتب هذا الكمال.
ثم هناك مراتب أخرى يختلف بعضها عن بعض باختلاف أبعادها وفق قيامه بالدعوة في نطاق فئة من الفئات، أو شعب من الشعوب، أو قطر من الأقطار، أو أمة من الأمم.