9 -ومنها - وهو مقصودنا من ذكر هذا الباب في هذا الكتاب: أن هذه الأمة حيث تأخرت أيامهم، وانكشفت لهم علوم الأمم المتقدمة وأخبارهم، وسنن الأنبياء السالفة وأحوالهم، واستبان لهم الفرق بين أحوال المؤمنين والمقربين، وأحوال الكافرين والمبعدين، وما أعد الله تعالى للطائفة الأولى من الجزاء الحسن، والثواب الجميل، وما أعد الله تعالى للطائفة الأخرى من الجزاء السوء، والعقاب الوبيل، لا جرم انبعثت قلوبهم، وتحركت أرواحهم، وانشرحت صدورهم، واطمأنت نفوسهم للتشبه بأولئك، وانقبضت وقعدت وضاقت وأَنِفَتْ من
التشبه بهؤلاء، وقد وقعت الإشارة إلى هذا المعنى في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [سورة الأنعام: 55] ؛ أي: وسبيل المؤمنين؛ على حد قوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [سورة النحل: 81] ؛ أي: والبرد.
وقوله: {وَلِتَسْتَبِينَ} [سورة الأنعام: 55] متعلق بفعل محذوف تقديره: وفعلنا ذلك لتستبين.
وقيل: هو معطوف على محذوف تقديره: ليظهر الحق، ولتستبين سبيل المجرمين؛ أي: وسبيل المؤمنين، كما عرفت.
أو يقال: إذا استبان سبيل المجرمين فقد استبان سبيل المؤمنين بطريق اللزوم.
وفي الاقتصار على ذكر استبانة سبيل المجرمين مع أن استبانة سبيل المؤمنين أمر مقصود - أيضا -، إشارة إلى الاهتمام باستبانة سبيل المجرمين أكثر من استبانة سبيل المؤمنين؛ لأن تجنب المحظور أعظم، وأشد من فعل المأمور به؛ إذ للنفس وَلَع بما منعت منه، فاجتنابه أشد عليها من فعل ما أمرت به، ومن ثَمَّ جاء في الحديث:"اتَّقِ الْمَحارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ".
وقوله: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [سورة الأنعام: 55] هو في قراءة أبي جعفر، ونافع بالتاء المثناة فوق، وفتح اللام من (سبيل) - على خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وابن كثير، وعاصم، ويعقوب كذلك، إلا أنهم ضموا اللام على إسناد الفعل إلى (سبيل) مع تأنيثه.
وقرأ الباقون بالياء المثناة تحت، وضم اللام على تذكير السبيل، وهما وجهان جاريان في كلام العرب.