وقد نسخ اللَّه كثيرا من الشرائع السابقة، فأين شريعة نوح، مثلا، لقد أنساها اللَّه، فلم يعد أحد يذكر منها شيئا.
وأبقى ذكرها، تعليما، كما أمر إبراهيم بذبح ولده ثم
نسخه قبل وقوعه.
وعلى هذا، فإن أقرب مفهوم إلى النسخ الذي أشارت إليه الآية
(مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ. .) هو نسخ التوجه إلى بيت المقدس، إلى البيت الحرام. وكلا البيتين آية من آيات اللَّه، إذ قاما بأمره.
ونخلص من هذا إلى أن آية النسخ ليست موجهة إلى نسخ آيات من القرآن الكريم أخرى، وإنما إلى نسخ قبلة وإحلال أخرى مكانها.
كما أن قوله (أَوْ نُنْسِهَا) معناه تأخير الحكم الذي دعى به المسلمون إلى التحول إلى البيت الحرام مدة بلغت
نحو سبعة عشر شهرًا، كانوا يتوجهون خلالها نحو بيت المقدس.
43 -أما مسألة اختلاف علماء المسلمين:
اتخاذ هذه المسألة وسيلة للطعن من عجائب هؤلاء القوم! وهي من باب. العيب بالمحاسن، والتعيير بالفضائل، كما أنها من باب رؤية القشّة فيِ عين غيرك، وعدم رؤية الخشبة في عينك، على حلّه تعبير كتابكم (المقدس) .
لقد قدمت لكم أمثلة، مجرد أمثلة لاختلافات كتابكم المقدس مما يستحيل معه أن يكون وحيا من اللّه.
أما المسلمون فقد حمى اللَّه كتابهم من هذ الشين، وقد وعد اللَّه بذلك في قوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) .
وصدَّق الزمان هذا الوعد، فلم يتغير في القرآن حرفٌ واحد.
أما اختلاف علماء المسلمين فليس اختلافا في (العقائد) وأصول الإسلام، وإنما هو اختلاف في فروع الأحكام العملية وكان ذلك من سماحة الإسلام ويسره، ومن وجوه التخفيف على المسلمين.
ولم يكن اختلاف علماء المسلمين اختلاف تناقض، على نحو ما هو عندكم في
كتابكم، وإنما هو اختلاف تنوع، يعطي وجوها متعددة، وكيفيات متعددة لأداء العمل، مما ييسر على المسلم أداء عمله العبادي، والتعاملي.
وكان لذلك أسباب علمية، قامت على منهج علمي.
فمن العلماء من منهجه: ماذا قال؟ فهو يبحث عن منطوق النص الوارد عق اللّه وعن رسوله.