2 -وههنا أمور يجب التنبيه عليها:
أولها: أن الحدود في الإسلام لم تشرع لإيجاد مجتمع صالح، إنما للحفاظ على
مجتمع بلغ صلاحه حدّ (المثالية) .
وإننا لنعلم - في عصرنا مجتمعات جعلت شريعة الجرائم، وعلى قائمته، عقوبة الإعدام، أكبر وسائلها لتحقيق الأمل في إيجاد مجتمع تخيله حلمهم، وصفحات التاريخ ملأى بما فعلت الثورة الفرنسية، وبما فعلت الثورة الشيوعية، وما فعل، في
مصر، محمد علي في مذبحة القلعة.
ثانيها: أن الروح العام في التشريع الإسلامي، في إثبات جرائم الحدود - هي روح التسامح، لا روح المتعطش إلى الدماء، على نحو ما علمنا من بعض التشريعات الكتابية السابقة، وما كان من الحركات الاجتماعية التاريخية.
ومن ثم كان من قواعد الإسلام: درء الحدود بالشبهات، وقبول التوبة عنها، وتفسير الشبهة لمصلحة المتهم، وأن إطلاق المذنب خير من إدانة البريء بينما كانت قاعدة الكنيسة في مواجهة حركات الإصلاح والبدأ الذي اعتنقته محاكم التفتيش كان يقول: لأن يدان مائة بري زورًا وبهتانا ويعانون العذاب ألوانًا خيرُ من أن يهرب من العقاب مذنب واحد.
ثالثها: من منافذ الخطأ في فهم النظام الاجتماعي الإسلامي اتخاذ بعض المصطلحات الحديثة معيارًا لهذا النظام، مع تجاهل اضطراب هذه المصطلحات، وعدم الاتفاق على تحديد مدلول المصطلح، واختلاف هذا المدلول من زمان إلى زمان، ومن أمة إلى أمة.
وذلك كمصطلح: الحرية.
فلسنا نعلم أمة ولا جماعة أطلقت هذا المصطلح من كل قيد، فما من أمة أو جماعة إلا قيدته بقيد أو أكثر بحسب ما ترى فلسفة نظامها الاجتماعي.
فلا ضير على الإسلام - بمقياس العصر - إن هو قيد
مصطلح الحرية بما يتفق ونظمه الاجتماعية، وأنه لم يكن بدعا في ذلك، سواء قيس بما قبله، أم بما بعده، أم بها جميعا.
رابعها: أن أساس التحريم، في المعاملات في الإسلام، إنما هو حصول: الضرر، أو الغبن، أو حطة في العقل والأخلاق، فكل ما كان فيه: ظلم، أو إكراه، أو أكل أموال الناس بالباطل، أو بغير حق فهو حرام.