وقال المقداد: وأنا معه يا رسول الله.
فذهبا إلى مكة فوجدا خبيباً على الخشبة وقد مات وحوله أربعون من قريش يحرسونه ، فانتهزا منهم غفلتهم وذهبا إلى الخشبة وانتزعا خبيباً وأخذاه ، فلما أفاق القوم لم يجدوا خبيباً فقاموا يتتبعون الأثر ليلحقوا بمن خطفوه ، فرآهم الزبير ، فألقى خبيباً على الأرض ، ثم نظر إليه فإذا بالإرض تبتلعه فسمى بليع الأرض. وبعد ذلك التفت إليهم ونزع عمامته التي كان يتخفى وراءها وقال: أنا الزبير بن العوام ، أمي صفية بنت عبد المطلب ، وصاحبي المقداد ، فإن شئتم فاضلتكم - يعني يفاخر كل منا بنفسه - وإن شئتم نازلتكم - يعني قاتلتكم - وإن شئتم فانصرفوا ، فقالوا: ننصرف ، وانصرفوا ، فلما ذهب الزبير والمقداد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرهم بالجنة التي صار إليها خبيب.
إذن فقد باع خبيب نفسه بالجنة. وعلى ذلك فإن ذهبت بسبب نزول الآية إلى أبي يحيى صهيب بن سنان الرومي تكون"شري"بمعنى اشترى ، وإن ذهبت بسبب النزول إلى خبيب فتكون بمعنى: باع. وهكذا نجد أن اللفظ الواحد فِي القرآن الكريم يحتمل أكثر من واقع. وخبيب بن عدي هذا قالت فيه ماوية ابنة الرجل الذي اشتراه ليعطيه لعقبة ليقتله مقابل أبيه ، قالت: والله لقد رأيت خبيباً يأكل قطفا من العنب كرأس الإنسان! ووالله ما فِي مكة حائط - بستان - ولا عنب وإنما هو رزق ساقه الله له.
ولما جاءوا ليقتلوه قال: أنظروني أصل ركعتين. فصلى ركعتين ونظر إلى القوم وقال: والله لولا أني أخاف أن تقولوا إنه زاد فِي الصلاة لكي نبطئ بقتله لزدت. وقال قبل أن يقتلوه: اللهم أحصهم عدداً ، واقتلهم بدداً ، ولا تبق منهم أحداً. ثم هتف وقال:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً
على أي جنب كان فِي الله مصرعي
وكان ذلك آخر ما قاله.