والإنصاف أنه سبحانه لو سلط الألم على عرق واحد فِي البدن أو على منبت شعرة واحدة عجز الإنسان عن الصبر عليه ، وقد يفضي ذلك به إلى الجزع ويعوقه عن اكتساب الكمالات ، ويحمله على إهمال وظائف الطاعات ، ومن ذا الذي يستغني عن إمداد الله إياه فِي دنياه وعقباه؟! ثم المقصرون فِي الدعاء على طلب الدنيا من هم؟ عن ابن عباس: أنهم المشركون كانوا يقولون إذا وقفوا: اللهم ارزقنا إبلاً وبقراً وغنماً وإماء وعبيداً . وذلك لأنكارهم البعث والمعاد . وعن أنس: كانوا يقولون: اسقنا المطر وأعطنا على عدوّنا الظفر ، ويحكى عن أبي علي الدقاق أنه قال: أهل النار يستغيثون ثم يقولون: أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله فِي الدنيا . طلب المأكول والمشروب وفي النار طلب المأكول والمشروب ، فلما غلبتهم شهواتهم افتضحوا فِي الدنيا والآخرة وقال الآخرون . يحتمل أن يكونوا مسلمين وعوقبوا لأنهم سألوا الله فِي أعظم المواقف وأشرف المشاهد أخس البضائع وأدون المطالب المشبه تارة بكنيف وأخرى بأحقر من جناح بعوضة ، معرضين عن العيش الباقي والنعيم المقيم . وقوله {ربنا آتنا فِي الدنيا} متروك المفعول الثاني لأنه كالمعلوم ، ويحتمل أن يكون من قولهم"فلان معط"أي موجد الإعطاء ، معناه اجعل إعطاءنا فِي الدنيا خاصة . واعلم أن مطامح النفس فِي الدنيا إحدى ثلاث خصال: روحانية هي تكميل القوة النظرية بالعلم وتتميم القوّة العملية بتحصيل الأخلاق الفاضلة ، وبدنية هي الصحة والجمال ، وخارجية هي الجاه والمال . وكل من لا يؤمن بالبعث فإنه لا يطلب فضيلة روحانية ولا جسمانية إلا لأجل الدنيا . فيطلب العلم لأجل الترفع على الأقران ويكتسب الأخلاق لتدبير الأمور المنزلية والمدنية . فلما قال عز من قائل {وماله فِي الآخرة من خلاق} أي طلب نصيب حذف مفعول {آتنا} لأن كل من ليس له فِي الآخرة طلب ، ولا لهمه إلى اقتناء السعادات الباقيات نزاع وطموح ، فمطلوبه عبث وسفه