والجواب: من وجوه: أحدها: أنه تعالى لما أذن فِي التعجل على سبيل الرخصة احتمل أن يخطر ببال قوم أن من لم يجر على موجب هذه الرخصة فإنه يأثم ، ألا ترى أن أبا حنيفة رضي الله عنه يقول: القصر عزيمة ، والإتمام غير جائز ، فلما كان هذا الاحتمال قائماً ، لا جرم أزال الله تعالى هذه الشبهة وبين أنه لا إثم فِي الأمرين ، فإن شاء استعجل وجرى على موجب الرخصة ، وإن شاء لم يستعجل ولم يجر على موجب الرخصة ، ولا إثم عليه فِي الأمرين جميعاً وثانيها: قال بعض المفسرين: إن منهم من كان يتعجل ، ومنهم من كان يتأخر ، ثم كل واحد من الفريقين يعيب على الآخر فعله ، كان المتأخر يرى أن التعجل مخالفة لسنة الحج ، وكان المتعجل يرى أن التأخر مخالفة لسنة الحج ، فبين الله تعالى أنه لا عيب فِي واحد من القسمين ولا إثم ، فإن شاء تعجل وإن شاء لم يتعجل وثالثها: أن المعنى فِي إزالة الإثم عن المتأخر إنما هو لمن زاد على مقام الثلاث ، فكأنه قيل: إن أيام منى التي ينبغي المقام بها هي ثلاث ، فمن نقص عنها فتعجل فِي اليوم الثاني منها فلا إثم عليه ، ومن زاد عليها فتأخر عن الثالث إلى الرابع فلم ينفر مع عامة الناس فلا شيء عليه ورابعها: أن هذا الكلام إنما ذكر مبالغة فِي بيان أن الحج سبب لزوال الذنوب وتكفير الآثام وهذا مثل أن الإنسان إذا تناول الترياق ، فالطبيب يقول له: الآن إن تناولت السم فلا ضرر ، وإن لم تتناول فلا ضرر ، مقصوده من هذا بيان أن الترياق دواء كامل فِي دفع المضار ، لا بيان أن تناول السم وعدم تناوله يجريان مجرى واحد ، فكذا ههنا المقصود من هذا الكلام بيان المبالغة فِي كون الحج مكفراً لكل الذنوب ، لا بيان أن التعجل وتركه سيان ، ومما يدل على كونه الحج سبباً قوياً فِي تكفير الذنوب قوله عليه الصلاة والسلام:"من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"وخامسها: أن كثيراً من العلماء قالوا: الجوار مكروه ، لأنه إذا