ثم يذكر حكم المباشرة فِي فترة الاعتكاف فِي المساجد. والاعتكاف - بمعنى الخلوة إلى الله فِي المساجد. وعدم دخول البيوت إلا لضرورة قضاء الحاجة، أو ضرورة الطعام والشراب - يستحب فِي رمضان فِي الأيام الأخيرة. وكانت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فِي العشر الأواخر منه .. وهي فترة تجرد لله.
ومن ثم امتنعت فيها المباشرة تحقيقاً لهذا التجرد الكامل، الذي تنسلخ فيه النفس من كل شيء ، ويخلص فيه القلب من كل شاغل:
{ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فِي المساجد} ..
سواء فِي ذلك فترة الإمساك وفترة الإفطار.
وفي النهاية يربط الأمر كله بالله على طريقة القرآن فِي توجيه كل نشاط وكل امتناع. كل أمر وكل نهي. كل حركة وكل سكون:
{تلك حدود الله فلا تقربوها} ..
والنهي هنا عن القرب .. لتكون هناك منطقة أمان. فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. والإنسان لا يملك نفسه فِي كل وقت ; فأحرى به ألا يعرض إرادته للامتحان بالقرب من المحظورات المشتهاة، اعتماداً على أنه يمنع نفسه حين يريد. ولأن المجال هنا مجال حدود للملاذ والشهوات كان الأمر: {فلا تقربوها} .. والمقصود هو المواقعة لا القرب. ولكن هذا التحذير على هذا النحو له إيحاؤه فِي التحرج والتقوى:
{كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون} ..
وكذلك تلوح التقوى غاية يبين الله آياته للناس ليبلغوها، وهي غاية كبيرة يدرك قيمتها الذين آمنوا، المخاطبون بهذا القرآن فِي كل حين.
وفي ظل الصوم، والامتناع عن المأكل والمشرب، يرد تحذير من نوع آخر من الأكل: أكل أموال الناس بالباطل: عن طريق التقاضي بشأنها أمام الحكام اعتماداً على المغالطة فِي القرائن والأسانيد، واللحن بالقول والحجة. حيث يقضي الحاكم بما يظهر له، وتكون الحقيقة غير ما بدا له. ويجيء هذا التحذير عقب ذكر حدود الله، والدعوة إلى تقواه، ليظللها جو الخوف الرادع عن حرمات الله: