والصورة التي تنشأ فِي الحس من مجموع هذه الحالات .. أنه كانت هناك مراعاة لحالات واقعية، تقتضي توجيهاً معيناً كما هو الشأن فِي الأحاديث التي تروى فِي الموضوع العام الواحد، ونجد فيها توجيهات متنوعة - فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يربي وكان يواجه حالات حية. ولم يكن يواجهها بقوالب جامدة!
ولكن الانطباع الأخير فِي الحس فِي أمر الصوم فِي السفر هو استحباب الفطر، دون تقيد بحصول المشقة بالفعل .. أما المرض فلم أجد فيه شيئاً إلا أقوال الفقهاء، والظاهر أنه مطلق فِي كل ما يثبت له وصف المرض، بلا تحديد فِي نوعه وقدره ولا خوف شدته، على وجوب القضاء يوماً بيوم فِي المرض والسفر، من غير موالاة فِي أيام القضاء على الرأي الأرجح.
وقد استطردت هذا الاستطراد لا لأخوض فِي خلافات فقهية؛ ولكن لتقرير قاعدة فِي النظر إلى الشعائر التعبدية، وارتباطها الوثيق بإنشاء حالة شعورية هي الغاية المقدمة منها. وهذه الحالة هي التي تحكم سلوك المتعبد؛ وعليها الاعتماد الأول فِي تربية ضميره، وحسن أدائه للعبادة وحسن سلوكه فِي الحياة .. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أن نأخذ هذا الدين - كما أراده الله - بتكاليفه كلها، طاعة وتقوى وأن نأخذه جملة بعزائمه ورخصه، متكاملاً متناسقاً فِي طمأنينة إلى الله، ويقين بحكمته، وشعور بتقواه.
ثم نعود إلى استكمال السياق:
{وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين، فمن تطوع خيراً فهو خير له، وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون} ..